العدد 1753
الجمعة 02 أغسطس 2013
الحب في مجتمعات العيب! سمر المقرن
سمر المقرن
الجمعة 02 أغسطس 2013

عرضت إحدى القنوات الأميركية قبل سنوات، برنامجًا لا أتذكر اسمه عن حالات حقيقية لأزواج قرروا الانفصال.. مازلت أتذكر ذلك الرجل الأميركي عندما قال: «لن أجعل طفلتي ذات الست سنوات تنشأ في بيئة منعدم فيها الحب، هي دائمًا تسألني لماذا لا أقوم بتقبيل والدتها مثل آباء أصدقائها، لذا الانفصال هو الحل».

ما جعل صورة تلك الرجل وكلماته تعود إلى ذاكرتي، هو ما قرأته عبر «فيسبوك» على صفحة صديقتي الروائية الليبية رزان نعيم مغربي، والتي ربطتني بصداقة مع شقيقتها الرائعة ليلى وزوجها طه كروي، الذي نشر رسالة خاصة وصلته من إحدى الأخوات الفيسبوكيات، أوصلت من خلالها ملاحظتها بإظهار طه لمحبته وتقديره عبر كتاباته لزوجته ليلى، قائلة: «هل تلاحظ أنك تتبجل وتتظاهر بمحبتك لزوجتك بشكل مبالغ فيه، أليست زوجتك بقربك وتستطيع أن تقول لها ما تريد؟ خاصة ونحن في مجتمع ليبي لا يقبل هذه الابتداعات».. لن أورد لكم رد الأخ طه كروي عليها، لكنه أوضح لها – باختصار - أنه لا ينافق ولا يجامل ولا يتظاهر، ولا يعنيه الناس لأنه لا يفعل ولا يكتب أي شيء إلا بما تمليه عليه قناعاته.

أوردت الحكاية الأولى، وربطتها بالثانية لأقول أولاً، إننا في مجتمعاتنا العربية مصابون بالتصحّر العاطفي، في الحالة الأولى أراد الزوجان الانفصال حتى لا تتأثر طفلتهما بانعدام الحب بين والديها، ولأن الطفلة يجب أن تشاهد هذا الحب واقعًا دون تمثيل.. وفي الحالة الثانية يستكثر المجتمع العربي رؤية رجل عاشق ومحب لزوجته أن يتغزّل بها، وينظر هذا المجتمع أن حالة الحب هي من أنواع (العيب) الذي يجب أن يختبئ ويتوارى عن عيون الناس ومسامعهم، وإن ظهر أمام الناس، فيعتبر حالة شاذة أو تظاهرا أو استعراضا!.

حقيقة عندما أقرأ عن حالة فكرية في مجتمع عربي (ما) أجد أننا كعرب متشابهين تمامًا من الناحية العاطفية، السائد والذي لا يخجل – بعضهم - من إظهاره على الملأ هو الكره أو السخرية أو الاستهزاء، فالرجل العربي الذي يسخر من زوجته، أو الذي يتفاخر برغبته في الزواج عليها وممارسة التعدد، هو في داخل العيون العربية المنتمية لهذا الفكر هو رجل فارس، بل ومغوار لأن هذه التصرفات ضد زوجته تثير الإعجاب لدى هذه الفئة، أما الرجل العاشق المحب فهو ناقص كما ينظر له الفكر الناقص!.

كثيرة هي المعادلات الحياتية والعاطفية تسير على العكس في حياتنا كعرب، القضية عميقة للغاية، وتحتاج إلى سبر أغوار متخصصين من خارج الحدود العربية، ليتمكنوا من قياس درجة هذه المشاعر التي سارت عكس الاتجاه الطبيعي للعاطفة البشرية.. فمن يُحب لابد أن يسعد بهذا الحب ويُعلنه ويستمتع بشعوره عندما يكون على مرأى البشر، فهل هناك أجمل من الحب، وأجمل من أن يراه العالم كله؟.

هذه الأفكار العربية العكسية، هي من يقتل شجاعة الزوجين في إعلان انفصالهما لأن حياتهما خالية من الحب، لذا تستمر الحياة بلا حب، وتظل فكرة المشاعر السلبية هي السائدة في بيوت أعياها الجفاف، ومشاعر تموت دون أن يشعر صاحبها أنه هو من يقتلها!.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .