ليس جديدا القول إنّ مؤشر الطلاق يدق جرس إنذار بالغ الخطر بأنّ أمراً جللاً يحدث في مجتمعنا. ولا أدل على هذا من أنّ عدد القضايا في المحاكم في ازدياد مشهود إذ وفق إحصائية معلنة قبل اشهر قد اقتربت الحالات من احدى عشر ألف حالة بين طلاق وتعنيف وغيرها. أمّا أسباب تفكك العلاقة فإنها باتت متعددة كوننا نعيش في هذا العصر المادي الذي تقلصت فيه العواطف في الحياة الاجتماعية الى الحد الذي اضحت العلاقات فيه بين الأفراد تحدد بالمقاييس المادية وحدها.
فيما مضى من السنوات كانت الأسباب المؤدية الى التفكك الأسري تنحصر في الخلافات الحادة أو الانحرافات أما في هذا العصر فيكاد يكون الجفاف العاطفي أو ما بات يسمى بجفاف المشاعر هو المسؤول عن تدهورها إلى حد كبير. وهو وحده من أحال الروابط الأسرية الى حياة جحيمية رغم أنّ الجميع يعيشون في ذات المكان ورغم إدراك الأغلبية منهم بحقوقهم إلاّ أنهم كالغرباء.
ثمة من يلقي باللائمة على المرأة في جفاف العلاقة الأسرية ولعلّ المثير للدهشة والغرابة ما تفتق عنه ذهن أحدهم من أنّ المرأة حين تمنح أسرتها مشاعر عميقة فإنها تستهلك من رصيدها سبعة أضعاف الرجل فينفذ ما عندها وهذا هو السبب المباشر – كما توصل اليه طبعاً – لما يسمى بالطلاق العاطفي. ويعلل آخر بأنّ ما يعتقده البعض من حب ليس سوى علاقات شعورية وهو في الأغلب حبّ رومانسيّ فارغ من المسؤوليات ووعود مؤجلة بل إنّ المشاعر مهما كانت ملتهبة فإنها سرعان ما تتلاشى فيما بعد.
إنّ أساس المشكلة كما أتصور انه ليس اسهل من إلقاء كل فشلنا وعجزنا وإحباطاتنا على الآخرين. فالذي بات واضحا انّ اعباء الحياة المعاصرة تفرض أن يتحملها الطرفان ونعني الرجل والمرأة معاً. فعندما يفشل الابناء في المدرسة فالتهمة جاهزة وهي أنّ الأم هي من تتحمل المسؤولية وعندما ينحرف الابن فإنّ من تقع على عاتقها المسؤولية هي الأم، وحتى عندما يهمل الزوج واجباته ويغيب عن المنزل فإنّ التبرير لدى الكثيرين جاهز وهو أنّ الزوجة هي من دفعته الى هذا، إنّ المرأة هي الضحية الأولى عادة في كل ما يقع على الأسرة من كوارث وانها دائماً المسؤولة الوحيدة عن كل ما يقع لأبنائها وأسرتها.
الكاتب البرت جيه برنشتين يقول في مؤلفه الشهير “مصاصو دماء العواطف” تمت تنشئة النساء على معرفة ما الذي يجب فعله والقيام به دون ان يطلب ذلك منهنّ والمخلوقات التي لا تملك هذه القدرة مثل الرجال والاطفال والحيوانات الأليفة ومصاصي دماء العواطف لا يمكن تدريبها للتمتع بهذا المنظور بل لابدّ من اعطائهم ارشادات محددة. فإذا رأت المرأة جوراباً على الأرض فسوف تلتقطه وتضعه في مكانه وإن رأى رجلٌ جوراباً على الأرض سيفترض انه يوجد هناك لسبب وسيخطو فوقه، “والكاتب يصنف الرجال بأنهم معادون للمجتمع خصوصا المتهورون منهم فهم ينضحون ذكورة”.
ولعلاج معضلة كبيرة بحجم الطلاق العاطفي فإنّ على الآباء الاّ يكتفوا بحب الأبناء بل المطلوب التدليل العمليّ أي يعلنون لهم عن هذا الحب من خلال التعبير المباشر. ولتنمية العلاقات الزوجية فإنّ على كل طرف البوح عما في داخله من محبة تجاه الطرف الآخر بالكلمة أو الهدايا أو بكليهما معاً.