يحكى أنّ محاضراً كان يلقي محاضرة عن التحكم بضغوط وأعباء الحياة على طلابه فرفع كأسا من الماء وسأل أحد المستمعين ما هو في اعتقادكم ثقل هذا الكأس من الماء؟ وتراوحت الإجابات بين خمسين جراما الى خمسمئة جرام، بينما كانت إجابة المحاضر خلاف ما كانوا يتوقعون بقوله: لا يهم الوزن المطلق للكأس فالثقل يعتمد على المدة التي أظل فيها ممسكا بهذا الكأس، فلو رفعته لمدة دقيقة واحدة فلن يحدث شيء لكن لو حملته لمدة ساعة فسأشعر بألم في يدي ولكن لو حملته لمدة يوم فستستدعون سيارة الاسعاف.
الكأس له نفس الثقل تماما ولكن كلما طالت مدة حملي له كلما ازداد الأثر الذي يتركه من ثقل على يدي. فلو اننا حملنا مشاكلنا وأعباء حياتنا في جميع الاوقات فسيأتي الوقت الذي لن نستطيع فيه المواصلة فالاعباء سيتزايد ثقلها. فالذي يجب علينا فعله هو أن نضع الكأس ونرتاح قليلا قبل أن نرفعه مرة أخرى. الرسالة الذي ارادت ان توصلها هذه الحكاية أنه يجب أن نضع اعباءنا بين الحين والآخر لكي نتمكن من اعادة النشاط ومواصلة حملها مرة أخرى. إنّ الخطأ الكبير الذي يقع فيه معظمنا هو أننا نأخذ مشاكلنا معنا أينما ولينا وجوهنا وبالتالي نضاعف حجم الألم والقلق ويصبح هماً يقلقنا. ضغوط الحياة اصبحت سمة لهذا العصر فمن النادر ان تعثر على شخص لا يعاني من همٍ يشعره بالقلق آناء الليل وأطراف النهار. انّ الاحباطات والصراعات باتت ملازمة لانسان هذا العصر والسيطرة عليها شبه مستحيلة.
المخرج الذي اقترحه باحثون في علم النفس للتغلب على الضغوط يتلخص في بضع نقاط بينها عدم الاستغراق في الهموم. وهذه مردها الشخص ذاته فالبعض لا يستطيع العيش الاّ بالبحث عما يشغلهم ويملأ فراغهم حتى لو كان قلقا يفسد واقعهم. وهنا يتوجب عليهم التوقف عن هذا الانشغال المدمر للذات والآخرين القريبين منه حتى البعيدين عنه، “اذا كنت تستطيع حل المشكلة فلا تدور حولها وتشكو همك بلا طائل”.
الكثيرون في غمرة انهماكهم في الحياة يتناسون أنّ لهذا الكائن البشري طاقة محددة ومن الضرورة عدم التفريط فيها بأي شكل من الاشكال ومن يتجاوز حدود هذه الطاقة يعرض نفسه لأمراض متعددة. فالذي ينصحون به هو ترتيب الأولويات من الأهم الى المهم. والأغرب هنا أنّ الاحتياجات الشخصية يجب أن تكون على رأس الأولويات بمعنى انه لابدّ من اشباعها والتعامل معها حسب اهميتها. فهذا كفيل باستعادة الطمأنينة الى النفس والشعور بالرضا والسعادة.
في معرض التحذير من القلق فإنّ الذي يجدر بالذكر هنا انّ اي نوع من الانجاز يتطلب ما يسمى “التوتر الخلاق” وهذا بدوره لا يتحقق الاّ بالاعتدال في الحياة ويختصره المثل الشائع “ساعة لقلبك وساعة لعقلك”
وتجدر الاشارة الى فضيلة معلومة مجهولة وتتمثل في النقد الموضوعي للذات بحيث لا يتعدى الحدّ ولاّ يتحول الى جلد للذات، ويؤدي الى نتائج مدمرة، ويبقى التذكير بحقيقة تتجاهلها الأغلبية منّا هي روح الدعابة. فلقد تأكدّ أنّها مخرج طبيعي من ضغوط الحياة وعلاج شاف من الاحباطات والقلق يتجاوز هذا مسألة الشخص الى الشعوب بأكملها.