العدد 1883
الثلاثاء 10 ديسمبر 2013
عنف المعلمين حقيقة أم سراب محمد المحفوظ
محمد المحفوظ
ومضة قلم
الثلاثاء 10 ديسمبر 2013

يظهر أحد مقاطع الفيديو أنّ معلّماً في إحدى البلدان العربيّة يرغم تلامذته على الوقوف على أرجلهم وأيديهم في ساحة المدرسة لمعاقبتهم. أما جريمة هؤلاء الطلبة أنّهم تأخروا في الحضور الى الدرس لدقائق معدودة. وفي مدرسة عربية أخرى أثار فيديو انتشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي موجة استياء لما حمل من استخفاف بأبسط بديهيات العملية التربوية اذ قامت إحدى المعلمات بالاستهزاء بطالبتين صغيرتين والتلفظ عليهما بشتائم أثارت الكثير من الاستغراب لكونهما تنتميان الى أقدس المهن الانسانية على الاطلاق.
يمثل النموذجان السالفان أنواعا من العقاب مما يتعرض له الطلبة العرب في كل الدول العربية. وبالنسبة للعقاب البدني فإنّ اختلفت الآراء حوله ففريق يذهب الى أنه يشكلّ ضرورة للجيل الجديد بينما آخرون اعتبروه يعكس حالة التخلف المهيمنة على الأمّة ولا تزال في اغلالها الى اليوم. انّ الأجيال ممن تلقت تعليمها ابّان مرحلتي السبعينات وما قبلها لاشك أنّ ذاكرتها مثقلة بصور من التعذيب الممارس حينذاك بوحشية لا نظير لها تحت مسمى العقاب أو التأديب. وقد لا يصدّق أحد من هذا الجيل ما كان سائداً قبل اربعة عقود فتلميذ المرحلة الابتدائية كان يتعرض للضرب بقسوة من ركل وصفع ولطم ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد بل انّ المعلم يواصل (التأديب) بعصا غليظة تنهال على هذا المسكين حتى لأتفه الاسباب كتأخر الطلاب عن الطابور الصباحيّ أو عدم احضار الكتاب.. الخ. طبعا النتائج المتوقعة لهذا النظام الفاشل هو تخريج طلبة مشوهين نفسياً فضلا عن تسرب العشرات منهم عن المدرسة.
إنّ الذي جعل من العقاب البدني يتفاقم ويمارس على أوسع نطاق في المدارس ويتحول الى تعذيب بكل معنى الكلمة هو تضافر أكثر من عامل الأول جهل بعض الآباء بجوهر العملية الى الحد الذي يدفع بعضهم وربما الاكثرية منهم الى ابلاغ المعلمين بالشدّة حيال ابنائهم مطلقين مقولة اضحت رائجة آنذاك “عطيناكم لحم اعطونا عظم”! والمفارقة الباعثة على الحزن والسخرية في آن واحد أن نجد اليوم من لا يزال متحمسا لهذا الأسلوب العقيم في التربية بل يبرر فشل بعض المتعلمين اليوم الى عدم الاخذ بالضرب كوسيلة عقابية!
إنّ المعلم الذي يجعل العنف الجسدي أو حتى اللفظيّ خياره الأوحد لتوصيل رسالته التربوية والتعليمية هو معلم فاشل بكل المقاييس. نقول هذا بالرغم من قناعتنا الكاملة لما يتعرض له هؤلاء المعلمون من مواقف محرجة وإهانات من قبل بعض الطلبة المشاغبين. والبعض من اخواننا من الهيئة التعليمية قد يبدون المبررات ما يدفعهم الى رد الإهانات والحفاظ على ما تبقى من هيبة وكرامة. لكن الذي غاب عن أذهان المعلمين إزاء اللجوء الى العنف هو ما قد يترتب عليه من آثار مدمرة آنية وعلى مستقبل الطلبة التعليمي والنفسيّ.
العنف هو ممارسة مرفوضة غير إنسانية حرمتها الشريعة السماوية والقوانين الوضعية. واذا كان العنف غير جائز في كل مناحي الحياة فالأولى أن يكون في العملية التربوية لكون التربية تقوم على الرفق والرحمة والحب. والعنف يتنافى مع رسالة المعلمين التي هي رسالة الأنبياء.
لابدّ من الإشارة الى انّ من ينتهجون الضرب وسيلة للتربية هم اليوم أقلية والحمد لله بيد انّه حتى لو كانت فئة صغيرة لم تزل تمارسها فإنّ هذا يستدعي منا دق ناقوس الخطر إنقاذا لمستقبل الوطن ممثلا في ابنائه.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .