العدد 1798
الإثنين 16 سبتمبر 2013
حرق القــــــــرآن وحــــدود حـــــــرية الـــــــرأي محمد المحفوظ
محمد المحفوظ
ومضة قلم
الإثنين 16 سبتمبر 2013

إنّ لحظات الزهو العربيّة نادرة جداً، نتذكر منها على سبيل المثال عندما انتفضت الأمّة من أقصاها إلى أقصاها ضد الإساءات لرمز الأمة الأكبر محمّد بن عبد الله (ص). كان ذلك قبل سنوات قلائل، ويومها شعرنا بلحظات من الكبرياء والشموخ لا تتكرر كثيراً. لكن ما يدعو إلى الأسف والأسى أن نشهد اليوم أحد الحاقدين وهو المدعو تيري جونز يكرر فعلته الإجرامية بالإقدام على حرق نسخ من القرآن الكريم في الذكرى السنوية لتفجير برجي التجارة دون أي رد فعل موازٍ.
ومرة أخرى يؤكد المدعو تيري جونز بحرقه نسخا من القرآن الكريم نزعة الكراهية المتأصلة في الغرب عموما على الإسلام والمسلمين. الستار الذي يتخفى به جونز أنّ ما يقوم به يقع تحت لافتة حرية الرأي، وهو بزعم الغرب مكفولة طبقا للقانون.
وعندما سئل جونز في لقاء صحافي لماذا تقوم بفعل يحرض على الكراهية ولا تفعل العكس منه؟ أجاب: إننا لا نريد أن تتحول الولايات المتحدة الأميركية إلى دول مثل ألمانيا وهولندا وبريطانيا تأوي العديد من المتطرفين يؤمنون ويقرون بأنّ من لا يؤمن بالقرآن والإسلام يستحق القتل ومصيره النار، فهل نريد دينا مثل هذا في أميركا؟ والحقيقة أنّ الإجابة كانت مليئة بالمغالطات. إنه يلصق بالدين الإسلامي ما ليس فيه من أكاذيب بهدف التغطية على فعلته الشنعاء. فليس ثمة إنسان في الكون يمكن أن يصدّق ما ساقه الرجل من تلفيقات وادعاءات لا سند لها في الواقع. وعلى الرغم من أنّ المسلمين جميعهم سواء كانوا خارج الولايات المتحدة أو داخلها على اختلاف انتماءاتهم قد أدانوا العمل الإرهابي في الحادي عشر من سبتمبر، إلا أنّ الحقد الأسود لدى شريحة كبيرة من الغربيين جعلهم ينفثوا أحقادهم بحقّ الأمة والدين الإسلامي.
وقلة هي الشخصيات السياسية والدينية المسيحية التي طالبت القس جونز بالتراجع والعدول عن حرق القرآن، بينما بقيت الأغلبية تمارس الصمت. أما الذي يدعو إلى الدهشة والاستهجان بصورة أشدّ فهو موقف الحكومات الغربية من هذا التصرف الأخرق باسثناء تصريح خجول صدر من الولايات المتحدة انتقدت فيه نية حرق القرآن! لكن المؤسف أنه لم يرافق هذا الانتقاد أي فعل على أرض الواقع يمنعه من تنفيذ عمله الأخرق.
وفي الوقت الذي نستهجن ما قام به جونز فإننا نستغرب أشد الاستغراب موقف بعض التيارات العربية العلمانية بدفاعها عن القس بدعوى أنّ فعله لم يخرج عن كونه ردّ فعل على ما أسموه “بالخطاب الإسلامي الأهوج الذي يسيطر على عواصم إسلامية وأقاليم عديدة وجموع وتظاهرات هائجة مائجة تتحرك بأجندة الحكام في تلك الدول والأقاليم”.
وبودنا فقط التوقف أمام بعض الادعاءات لتبرير فعلة جونز، ومنها الاستبداد والظلم والتمييز والعنصرية وانتهاك الحقوق وغيرها مما تحفل به خطابات بعض رموز العلمانية العربية. لسنا ننف ما أشاروا إليه من حالات التمييز والاستبداد والإقصاء التي تمارسها بعض الأنظمة والتي كانت السبب المباشر في الإطاحة برموز التسلط في أكثر من قطر عربيّ، ولكن السؤال هو هذه الممارسات التي تبيح لأي فرد في الغرب أو الشرق لجونز أو لغيره بمثل هذا التصرف؟ ثم أليس القس جونز نفسه يطالب بتطبيق تعاليم المسيح التي تدعو إلى نشر المحبة والسلام حتى مع الأعداء؟
وثمة من ربط فعلة جونز بما يحدث في بعض البلدان العربية ومصر تحديداً (بحق الأقلية القبطية) ومن انتهاكات بحق الأقليات المسيحية عامة. أما الذي يدعو إلى السخرية من دفاع هؤلاء عن القس هو ما تتعرض له المرأة في بعض البلدان العربيّة من سلب لأبسط حقوقها وكأنّ ما قام به جونز هو فقط للفت أنظارهم إلى المرأة، وبالتالي فهو محفز لهم لإعادة حقوقها المسلوبة والمنتهكة!

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .