مع عودة عام دراسي جديد فإن الهواجس ذاتها تعود حول ما يعترض المسيرة التربوية وما يتلقاه ابناؤنا في مدارس التربية. ان اغلب المشتغلين في حقل التربية يصرون على اعادة انتاج اساليب التقويم التربوية ذاتها اي الى ما قبل عقود ماضية. متناسين حجم الطفرات الهائلة ليس في التربية وحدها بل في كل جوانب الحياة. والا من يصدق ان بعض الممتهنين للتربية لا يزالون متشبثين بالتلقين وسيلة لتوصيل المعلومات! بل حتى وسائل التأديب التقليدية العقيمة هي المفضلة لهؤلاء؟.
الحقيقة التي لا تريد فئة من المنتسبين لميدان التربية والتعليم استيعابها ان الافراط في استخدام العقاب البدني كانت عواقبه وخيمة على اجيال من الطلبة نظرا لقسوته البالغة.. ولعل البعض ممن عايش ولو شطرا من ذلك الزمن فإن آثار التعذيب لا تبرح ذاكرتهم. ان الذي وقع فيه هؤلاء هو خلط فاضح بين التأديب والتعذيب. وفي هذا الصدد اتذكر ان الباحث التربوي الدكتور جاسم المطوع قد سرد ضمن بحث شيق الفارق بين الاساليب التربوية السليمة والاخرى الممكن ان تصنف تحت عنوان التعذيب. وهذا ما اسماه المطوع بأسلوب الاختيار بالعقوبة. الطريقة السالفة تقوم على قاعدة مهمة في تقويم سلوك الابناء لابد من الاتفاق عليها بين المعلم من جهة وولي الامر من الجهة الثانية. تتلخص بان لكل مرحلة عمرية اسلوبها في التأديب اي كلما كبر الطفل فانه يحتاج الى اساليب مختلفة في التعامل معه. اما الاختيار بالعقوبة فانه يصلح لجميع الاعمار ونتائجه ايجابية جدا.
أولى خطوات التأديب الواجب انتهاجها من قبل المربين التأكد ما اذا كان الطفل جاهلا ام متعمدا حتى يكون التأديب نافعا. ولو افترضنا انه ارتكب خطأ غير متعمد ففي هذه الحالة لا داعي للتأديب بل يكتفى بالتنبيه. اما لو كرر الخطأ أو كان متعمدا فان هناك اساليب متعددة يمكن تطبيقها من بينها الحرمان من الامتيازات. وقد اثبتت فاعليتها وايجابيتها.
وفكرة التأديب بالحرمان ذاتية تنبع من الطفل نفسه وملخصها الطلب منه التفكير في عقوبات ثلاث يقترحها كالحرمان من المصروف او عدم زيارة صديقه او حرمانه من الهاتف النقال لمدة يوم واحد. ودور الآباء هنا اختبار واحدة من الثلاث لينفذها على نفسه. ان الفلسفة الكامنة وراء هذه العقوبة ان الطفل من يختار العقوبة وهو من ينفذها.
والهدف الآخر اننا حصرنا المعركة بينه وبين الخطأ وليس بينه وبين الوالدين او المعلم والفارق شاسع بين الاثنين.
اما الهدف الاهم اننا حافظنا على رابطة المحبة بينه وبين والديه او معلمه. اضافة الى اننا احترمنا شخصيته وانسانيته.
ان الهدف الذي يرمي اليه اساتذة التربية من عملية التأديب تقويم السلوك وتحتاج الى صبر ومتابعة وحوار. اما الضرب المبرح او الصراخ فإن هذا تعذيب وليس تأديبا.