لابدّ من الاتفاق بداية على معنى محدد للتجديد أو التصحيح - الذّي يرفع رايته البعض هذه الأيام - حتى لا تلتبس المفاهيم وتضطرب الرؤية وتختلط الالوان. الامام الراحل محمد مهدي شمس الدّين يرى أنّ التجديد هو اعادة تأصيل وتجذير للمسلمات وثوابتها وأركانها بأفق أوسع ونظرة أكثر عمقاً وأكثر شمولية تلحظ خصوصيات الظرف في ما يناسبه. وهو برأي الشيخ المجدّد محمد عبده استمرار متطور للتاريخ وابداع يستمد من الاصالة.
انّ مفهوم التجديد لامس في العقود الأخيرة مسائل بالغة الاهمية من قبيل تأويل قضايا عقيدية كبرى بما يخالف المجمع عليه عند المسلمين عامة. وأتذكر هنا ما حدث في البحرين قبل سنوات وعلى أيدي تيار جديد من الشباب الاكاديمي الذي بدأت ملامحه تتشكل تحت اسم “تيار الحداثة الدينية”. وكان افراد هذا التيار يدعون الى مراجعة فكرية عميقة للفكر الدينيّ بالتركيز على اشكاليات النص الديني والتأويل ونسبية الحقائق وادماج مكتسبات العلوم الانسانية الحديثة كعلم الاجتماع والانثربولوجيا لانتاج فهم مغاير - حسب رأيهم – بالاتكاء على نظريات عبدالكريم سروش ومحمد مجتهد شبستري وعلي شريعتي ومحمد أركون وعلي حرب وغيرهم.
وشاءت الظروف أن توجّه الاسئلة الى الراحل السيد محمد حسين فضل الله حول مشروعية هذا التوجّه. بيد انّ السيد أبدى حذره من ان تسفر هذه الاسقاطات القسرية للمفاهيم الجديدة الى نزع القداسة عن النصّ. وكانت اجابته قاطعة أنّ النص الديني عندما يكون مقدّسا والهياً لابدّ من التعامل معه على اساس ذلك.
لكنّ هذا لا يمنعنا من قراءة النص بالاستناد الى المنهج الحديث في تأويله. وقراءة التاريخ تحت دعوى أنّ هناك علماء تعمقوا في البحث وبالتالي الواجب هو الاقتداء بمنهجهم ولا يجب اعادة الاقتراب من التراث وكأنه تحول الى مواد قابلة للانفجار.
التجديد عملية حتمية تستجيب لتطور الحياة وحاجات الانسان وهي حركة تصوغ الواقع وتحفظ الشخصية. وليس ارضاءً للآخر كما يتصور البعض أو كي ننعت بالتقدمية والانفتاح على العصر أو لكي نبعد عنا التعصب. التجديد بعبارة أخرى هو “تأمين للأمة باستمرارها التاريخيّ المنتظم وتطورها المنسجم وشخصيتها السوية وتفاعلها المميز في حوار الحضارات” وهو أخيراً لكي نستحق كوننا خير أمة أخرجت للناس.
في الأيام القليلة الفائتة صدح أحد رجال الدين المنتمين للمذهب الشيعي بضرورة تنقية الموروث من الروايات المدسوسة كاليهودية والنصرانية والمجوسية. وهذا الرجل ظل لسنوات واحداً من أشدّ المنافحين الشرسين عن الذّات المذهبية. وهو يسير في هذا الاتجاه على خطى السيد فضل الله أحد ابرز المجددين والداعين الى تصحيح الروايات ولقي الأخير في هذا السبيل عنتاً كبيراً.
وفي هذا الاتجاه كتب باحثٌ معلقاً على الدعوة “صيحة الحيدري الداعية الى تنقية وتشذيب الموروث ليست الاولى ولن تكون الأخيرة، المسرح يعج بانشقاقات ودعوات تثير الرعب والاستياء عند اتجاه ملتصق تماماً بنظرته التراثية النقية. نقده اللاذع كان استدراكاً أو تعليقا هامشياً ضمن دروسه في المنطق المستمد من الفيلسوف اليوناني ارسطوطاليس”.
البداية الصحيحة لأية محاولة تصحيحية يجب أن تكون انطلاقتها من المنهج التاريخيّ المتبع في المدارس الفقهية وليس مجرد طعن في هذه الرواية أو تلك أو تحويل المنبر الى قناة فضائية. هذا برأينا لا يؤدي الى الاصلاح المنشود.
اعتقد أنّ الساحة بحاجة الى مفكرين يمتلكون الجراة والشجاعة لنقد التراث او اعادة قراءته قراءة واعية. رغم يقيننا أنهم سيتعرضون الى هجمات شرسة. ونتذكر أنّ نماذج الاصلاح في تاريخنا امثال ابن رشد والتوحيدي كانوا قد تعرضوا الى كافة صنوف التعذيب لكنهم بنهجهم الثابت أرضوا ضمائرهم.. وهذا يكفي!.