العدد 1754
السبت 03 أغسطس 2013
كفالة اليتيم وأبعادها الاجتماعية محمد المحفوظ
محمد المحفوظ
ومضة قلم
السبت 03 أغسطس 2013

رعاية الأيتام والقيام بشؤونهم من الاخلاق الرفيعة والفضائل السامية التي نصّ عليها ديننا الاسلاميّ. ومن هنا جاء الحديث الشريف الذي يروى عن رسولنا الاكرم محمد بن عبدالله صلّى الله عليه وآله وسلّم والذي نصّه “أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة” وأشار بإصبعيه السبابة والوسطى”.
قبل ايام قلائل تداولت شبكات التواصل الاجتماعي قصة واقعية لطفل يتيم طُرد من المدرسة فخرج الى الشارع. ومن الطبيعي جداً لأي طفل يقع في مشكلة فإنه يتوجه الى أمه ويرتمي في احضانها طلبا للحنان والدفء ولكن أم هذا الطفل كانت قد فارقت الحياة فلم يجد بداً الاً ان يذهب الى قبرها (لعلها تجيبه كما صور له خياله البسيط) ليشكو اليها مأساته وأخذ يصرخ بأعلى صوته وهو يجول ويحوم حول نفسه والدموع تنهمر من عينيه “أماه.. أماه.. أين انتِ؟ لماذا لا تجيبين؟ الاستاذ والطلاب يقولون اني شخص فاشل مهمل بواجباتي ومقصر بدروسي أماه.. ماذا أعمل؟” وطبعا لم تستجب الام الراحلة لاستغاثاته التي تقطع القلوب.
الصورة السالفة للطفل رغم ما تحمله من معان اليمة ودلالات محزنة لا نعتقد أنها الوحيدة التي تختصر آلام وعذابات فئة ارادت المشيئة الالهية لها ان تفقد أحد ابويها ومن ثمّ تعاني مرارة اليتم وقسوته طوال حياتها. لكن ما يضاعف من حجم المرارة والألم أن تصادف من افتقد ابسط المبادئ الرامية الى العطف بمواساتهم وتخفيف معاناتهم.
بيد أنّ ما يبعث على البهجة أن تنبثق في مجتمعاتنا الاسلامية نفوسا تتحسس الآلام بانتشال الايتام من بؤسهم بالمشاريع الانسانية لكفالتهم كالجمعيات الخيرية ناهيك عن ما يتصدى له بعض النفوس الايمانية بتحملهم لكفالة الايتام دون ابداء اي شكل من اشكال النفاق او مظهر للرياء.
ان قيمة الكفالة لهؤلاء الايتام بالمعايير المادية ليست بالدرجة المرهقة لكنّها ذات عائد كبير بما يناله العبد من ثواب جزيل يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون الاّ من أتى الله بعمل سليم. ومن هنا فانّ الجميع مدعو الى البذل في هذا السبيل دون تردد وبالاخص ونحن نعيش اجواء ونفحات شهر رمضان المبارك الذي تتضاعف فيه الحسنات اضعافاً مضاعفة.
اعتقد انّه يتوجب علينا أن نستبدل مفهوم الكفالة من مجرد منح مساعدة مادية لايواء اليتيم بما يجعله قادرا على البقاء الى مفهوم اعم واشمل بحيث يصبح قادرا على الاعتماد على نفسه مستقبلاً. وبحيث تتجذر لديه قيم العزة والشموخ وتترسخ فيه مبادئ الرجولة. وبالنظر الى ما شبت عليه اجيال من هذه الفئة فاننا بحاجة ماسة الى اعادة نظر لتصحيح بعض العادات.
السؤال الملح أمام الجهات المسؤولة عن رعاية الايتام والذي يواجه المجتمعات الاسلامية هل الوسائل المتبعة لكفالة الايتام التي تلبي حاجاتهم الجسدية كالاكل والشرب فقط كافية؟ أم لابدّ من ان تصاحبها مؤسسات اخرى تربوية واجتماعية وسلوكية؟ ونعني بها تلك التي تهتم برعايتهم من كافة الجوانب كالتخطيط للمستقبل لصيانتهم من الانحراف والاعداد لمستقبلهم الدراسيّ لضمان مستقبل آمن لهم.
ثمة تساؤل آخر نراه ضروريا نلّخصه في التالي: هل هناك دراسات تستجلي واقع الايتام من حيث اعدادهم الحقيقية واستشراف مستقبلهم؟ لا يخامرنا الشك بأنّ نسبة من هذه الفئة لو قدر لها من يستجيب لحاجاتها لاصبحت في عداد المبدعين، كثير من الايتام من اصبحوا بين العظماء بل الاثرياء وكانت انطلاقتهم من الصفر.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .