بين الكم الهائل من البرامج الدينية في شهر رمضان المبارك فاننا بالكاد نجد برنامجاً يخاطب المشاهد ويحترم عقله. اذ انّ الاغلبية الساحقة منها نمطيّة وتدور في فلك واحد. وتعالج قضايا لم تعد ذات أهمية للانسان المسلم. أو أنها تعالج قضايا هامشية. ويكاد يقف الاعلامي القدير احمد الشقيري وحيداً بل يمثل استثناءً ذلك أنه جمع في برنامجه المتمّيز (خواطر) الذي يقدّم بنجاح منذ أعوام بين البساطة المتناهية من جهة وجرأة المعالجة والعمق الفكري اضافة الى تناوله لقضايا تمس حياة المواطن العربيّ من الجهة الاخرى.
المفارقة المذهلة أنّ احمد الشقيري وبدلاً من أن يتلّقى الثناء والاستحسان على جهوده على مدى اعوام طويلة في هذا السبيل فانه اتّهم بما ليس فيه. نعم اتهم الاعلامي القدير احمد الشقيري بتهم هو منها براء. ومن بين تلك الاقوال أنه كان يضع الهم التجاري نصب عينيه في برامجه (خواطر) حين حصل على أقلّ ما يمكن ان يحصل عليه اعلاميّ في كفاءة وموهبة وقدرة وابداع الشقيري. واقلّ ما يمكننا قوله هنا انه انسان كرس وقتا طويلا لابراز برنامجه بهذا المستوى اضافة الى كونه اعلاميّ يحترم نفسه وعمله.
لسنا في وارد اجراء مفاضلة بين خواطر الشقيري من جهة وبقيّة البرامج الدينية الدعوية الثانية. ولو أننا عقدنا مثل هذه المقارنة لكانت النتيجة في صالح الاول بكل تأكيد. وقد يتصور البعض أنّ ما يتسم به شهر رمضان المبارك من روحانية وتعطش تدفع بالمشاهدين على الاقبال على أي برنامج يأخذ الطابع الديني وهي مغالطة كبيرة تنمّ عن جهل مفرط بالانسان ذلك انّ الاغلبية من المشاهدين يتمتعون بذائقة حساسة تجعلهم قادرين على التمييز بين الجيد والرديئ ولم يعد بوسع احد ان يضحك عليهم.
انّ من لم يتابع برنامجاً راقياً وهادفاً وممتعا كـ (خواطر) احمد الشقيري فإنه في رأيي المتواضع لم يشاهد برنامجا للسمو والرقيّ شكلاً ومحتوى. لقد كان البرنامج راقيا بحق والاتهامات الموجهة اليه صغيرة وتافهة جداً. من قبيل التبرعات وهل توجه فعلا الى الاعمال الخيرية أم الى جهات أخرى غير معلومة! والتشكيك في المستوى الاكاديمي للشقيري وكونه يحمل الدكتوراه أم الجامعية لم تعد مسألة تهمنا طالما أنّ الرجل بهذا المستوى الراقي وهذا الفكر الابداعيّ المتميز. المفارقة الاخرى أنّ بعضنا للاسف يصرف شطرا ثمينا من وقته – وهو مسؤول عنه بالطبع - في متابعة برامج أقل ما يقال عنها انها دون المستوى ولا تضيف اليه شيئاً فلا اقلّ من أن يملأ عقله وروحه بنفحات جميلة راقية هادفة ناضجة تسمو بنفسه وتحلق بها في الاعالي من المتعة والفائدة.
أعتقد بل أجزم أنّ احمد الشقيري لو خرج بآلاف الدنانير إزاء ما يقدمه من متعة وفائدة لا حدّ لها لبقينا نحن الرابحين. أمّا لو كانت (خواطر) كسائر ما تبثه الفضائيات هذه الايام فإنّ نصف أو ربع المبلغ حرام فيها. انّ عالمنا العربيّ بحاجة الى كفاءات بحجم ومستوى الشقيري لاسلوبه البارع في التقديم. وكيفية التغيير الى الافضل والأرقى.
وللشقيري مقولات غدت ذائعةً بين الجمهور من بينها “الصديق كالمصعد امّا ان يأخذك الى الاعلى أو يسحبك الى الاسفل فاحذر أي مصعد تأخذ. وايضاً “لستُ بالحسد الذّي يظنه المحبون ولا بالسوء الذّي يظنه الكارهون”.
وتتبقى كلمة أخيرة وهي انّ الشقيري له نقاط ايجابية وأخرى سلبية لكن الانصاف يقتضي القول انّه حقق نجاحات في رسالته الدعوية غير منكورة.