العدد 1750
الثلاثاء 30 يوليو 2013
إلى أين تتجه مصر؟ محمد المحفوظ
محمد المحفوظ
ومضة قلم
الثلاثاء 30 يوليو 2013

سواءَ اتفقنا أم اختلفنا على أنّ ما جرى في مصر أهو ثورة أم انقلاب عسكري، فإن الذي لا خلاف عليه أن أرض الكنانة اليوم أمام منعطف بالغ الخطورة. وكنا نتمنى لو أن المسلمين في مصر وخارجها قد استثمروا روحانية شهر رمضان المبارك في تحقيق أكبر قدر من الطمأنينة والسلام والمزيد من بالتلاحم والتكاتف. لكن المحزن أنّ شهر رمضان يعودنا والبلدان الإسلامية تحولت إلى بؤر للصراعات السياسية والأشد حزنا أن النزاعات أصبحت بين أبناء القطر الواحد وفي أكثر من دولة.
كنا نتصور أن هبّات الربيع ستوحد الشعوب العربية وتخلصها من الفرقة والتناحر، وأنهم سيتجاوزون هذه الحالة لكن ما يشاهد في الواقع بدد كل تصوراتنا. والمثال الأبرز هو ما تمر به مصر الشقيقة من خلافات بلغت حد الاقتتال العبثي والذي يبعث على القلق أن تفضي إلى حرب أهلية لا سمح الله.
تذهب بعض الآراء إلى القول إن الذي يحدث في مصر هو بفعل مؤامرة مخطط لها بدقة ودهاء من قبل القوى الإمبريالية تشترك فيها الولايات المتحدة الاميركية بالاتفاق مع دول عربية بعد أن ضاقت ذرعا بالإجراءات التي قام بها الإخوان المسلمون واستفزت تصرفات الأنظمة العربية إضافة إلى أغلبية  الشعب المصري مما دفعهم للخروج، معبرين عن غضبهم في الثلاثين من يونيو مطالبين بإسقاط حكم الإخوان.
ليس هناك من يستطيع إنكار الدور التآمري للغرب وعلى رأسهم أميركا في بث الفتنة بين أبناء الشعوب العربية والإسلامية، وهم في هذا السبيل يبذلون كل إمكاناتهم وطاقاتهم حتى تبقى أمتنا مستعبدة وراكعة تستجدي المعونات. وقليلة تلك اللحظات من تاريخ الأمة التي قررت فيها الخروج عن طاعتهم نتذكر منها إبّان زعامة جمال عبدالناصر. إذ استطاعت مصر أن تخرج عن وصاية البيت الأبيض. إنها لحظات من الزهو القومي لم نشهد لها مثيلا في تاريخ مصر ولا تاريخ العرب الحديث.
وكنا نتمنى أيضاً لو أنّ الإخوان المسلمين استكملوا مدة الحكم الشرعية، وهي أربع سنوات بوصفهم السلطة المنتخبة من الشعب المصري مهما كانت الأخطاء الإستراتيجية التي وقعوا فيها واستعجالهم قطف الثمار وإقصائهم للقوى السياسية من المشاركة في الحكم. وانتهاجهم “لأخونة” الدولة مما عزز من إثارة الغضب عليهم من أغلبية الشعب المصري.
الذي تعيشه مصر اليوم ولا تخطئه عين المراقب للوضع هو مؤلم ويبعث على القلق وبالأخص في الأيام الفائتة، وكيف تحول هذا الإنسان المصري البسيط والعفوي إلى كائن آخر غير الذي عرفناه بطيبته وشهامته إلى أبعد الحدود. وإلاّ من كان يتصور أن يقدم مواطن مصري إلى سحل أخيه في الوطن، فضلا عن الإنسانية ويمارس تجاهه أبشع ألوان البطش مما يستحيل على أي بشر تصوره لولا أنها الحقيقة المروعة. ولعل أغلبنا شاهد مقاطع الفيديو التي تصّور أحد المواطنين وهو يرمي من أعلى البناية شبانا صغارا في السن لمجرد اختلاف في وجهات النظر أو تبنيهم رؤية سياسية مخالفة. وهذا يناقض تماما طبيعة الشعب المصري طوال تاريخه الذي عرف عنه.
الحقيقة أن مشاعر الكراهية المقيتة ما كان لها أن تنمو وتتجذر في التربة المصرية لولا العصبية الدينية العمياء الذي فجرت صراعات سياسية لتحقيق مكاسب سياسية آنية للتشبث بالحكم. وهي تجربة بالغة المرارة مرت بها أوروبا عندما وظفت الدِّين في السياسة ودفعت أثمانها باهظة حتى تمكنت من فصل الدِّين عن السياسة. استغلال الدِّين في السياسة أحال أوروبا إلى مستنقع للكراهيات وجعلها تعيش عصورا من الظلام والتخلف.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .