العدد 1726
السبت 06 يوليو 2013
ارحموهم فإنّهم إخوانكم محمد المحفوظ
محمد المحفوظ
ومضة قلم
السبت 06 يوليو 2013

 تقول أغنية لعامل مهاجر تحت أشعة الشمس الحارقة: “عندما تصحو الشمس أخرجُ لكسب قوتي.. بضع ساعات اقضيها تحت الشمس.. لا أدري ان كنتُ سأعود من جديد الى وطني حيث اكواخ الشينكو.. والحجرة الصغيرة التي اركنُ اليها متعباً في المساء.. سويعات قليلة احس رأسي يسقط وشراييني تتمزق.. وحينما تكون خيوط الشمس عمودية على رأسي الضعيف أحسُ بالانهيار.. فهي نارٌ على رأسي.. يا ليتكم تحسّون بها لأنيّ اكادُ أنهار.. ولا اقدر على الحركة.. ولكن ماذا أفعل؟ فأنا جئتُ من أجل اطعام ابنتي.. وأمي فقيرة لا تملك سوى ساريّ.. وتلك النقود التي ابعث بها لا تكفي لشراء دال وأكياس طحين.. يا ليتكم تحسون بيّ.. أريدكم أن تقفوا معي ولو لمرة واحدة.. فالشمس حارقة على قلبيّ.. وعلى جسدي النحيف”. 

العمّال وهم يتصبّبون عرقاً في الشوارع التي تحولت الى كتل من اللهب والشمس تثقب جماجمهم. وانت تتملىّ في وجوههم لأنّ شعوراً عارماً يتملكك بانّ كل الفوارق بينهم قد ذابت باستثناء فارق واحد هو الانتماء الى الانسانية الرحبة والى الطبقة المسحوقة. 

كان ذلك منذ أمد ليس ببعيد عندما شاهدت ذلك المنظر المؤلم الذي هو عبارة عن شاحنة صغيرة تكدست فيها اعداد من العمالة الآسيوية بوجوههم الشاحبة وقد ذهب ظنيّ للوهلة الاولى أنهم مجموعة من الماشية لكن سرعان ما تيقنت أنهم ينتمون الى الجنس البشري أي أنهم مثلنا تماماً!.

لم أتمالك حينها عينيّ من ان تذرف الدموع وبكيت كثيراً لكنني حمدتُ الله على نعمه التي لا تحصى ومن بينها بالطبع أننا نسترخي داخل سيارات مكيفة! وبصراحة غالباً ما يخالجني شعور يهز كيانيّ مؤداه هو التالي: ماذا لو كنّا - نحن من نستخدم هذه العمالة في معظم شؤون حياتنا – في مواقعهم؟ أي في هذه الافران الملتهبة المتنقلة؟ إنها أشبه برحلة عذاب بكل معنى الكلمة وما هذه الشاحنات الا جزء يسير من عذابات لا نهاية لها. والاّ من يتصوّر مكابداتهم الجسدية والنفسية التي هي فوق الوصف والتحمل الى الحد الذي يتمنى الواحد منهم الموت! لانّهم على الاقلّ يجدون فيه الراحة الابدية؟.

بصراحة لا أعرف كيف يمارس البعض هذه السادية التي لا نظير لها التي تجعلهم يسومون بشراً نظراء لهم في الخلق سوء العذاب لا لشيء الا لمجرد أنّ الحاجة دفعتهم الى الغربة لجمع حفنة من المال يسدّون بها رمق جوع فلذات اكبادهم لحاجتهم الماسة اليها.

لسنا فقط نستشعر حجم الالم الذي تكابده هذه الشريحة البائسة لكننا في ذات الوقت نتجرع ما هو اشدّ الماً ومرارة هو محاسبة انفسنا لاننا سنحاسب ذات يوم على ما اقترفته ايادينا بحق اخوة لنا في الانسانية مصداقاً لمقولة الامام علي بن ابي طالب (ع) “الناس صنفان امّا أخٌ لك في الدّين أو نظيرٌ لك في الخلق”. ولعمري ماذا سنجيب حينها؟ انّها والله لمسؤولية عظيمة أمام الله.

وبقي أن نشيد بما كشف عنه وكيل وزارة العمل صباح الدوسري بضبط مئة وستة وثلاثين منشأة مخالفة للقرار الوزاري بشأن حظر العمل في قطاع الانشاءات وقت الظهيرة. واتضح من خلال جولات فريق التفتيش انه تمت مخالفة اربع مئة عامل. ومما يبعث على الارتياح ما أكدّه الوكيل انّه ستتم احالة تلك المخالفات بحسب الاجراءات المعمول بها الى النيابة العامة استناداً الى قانون العمل في القطاع الاهليّ.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية