الكثيرون اليوم يتذكرون الاسكندر المقدوني بوصفه واحداً من أعظم المحاربين وأدهى القادة العسكريين عبر التاريخ. كان موصوفا بالحكمة والسخاء. لكنّكم ربّما تجهلون أنّه كان تلميذاً للفيلسوف الشهير أرسطو تعلّم على يديه الفلسفة والحكمة.
إنّ سيرة الاسكندر المقدوني حافلة بالغرائب لكنّ أغربها على الإطلاق تلك الوصايا الثلاث التي أصبحت اليوم تتناقلها وسائل الاتصال الاجتماعي وملخصها هو التالي، الوصية الأولى: أن لا يحمل نعشي عند الدفن إلا أطبّائي ولا أحد غير أطبائي.. والوصية الثانية: أن ينثر على طريقي من مكان موتي حتى المقبرة قطع الذهب والفضة والأحجار الكريمة التي جمعتها طيلة حياتي.. والوصية الثالثة: حين ترفعوني على النعش أخرجوا يدي من الكفن وأبقوهما معلقتين للخارج وهما مفتوحتان”..
الحقيقة أنّ وصايا الاسكندر أصبحت بالنسبة للمقربين منه أشبه بالألغاز لم يتمكن أحد من فك أسرارها.. ولمّا سألوه عن مغزاها أخذ نفساً عميقاً وكانت إجابته لهم: إنني أريد أن أعطي العالم درسا لم أفقهه إلاّ هذه اللحظة.. أمّا بخصوص الوصية الأولى فأردتُ أن يعرف الناس أنّ الموت إذا حضر لم ينفع في رده الأطباء الذين نهرع إليهم إذا أصابنا مكروه، وأنّ الصحة والعمر ثروة لا يمنحهما أحدٌ من البشر. وبالنسبة للوصية الثانية فإنّ المراد منها أن يعلم الناس أنّ كل الوقت الذي صرفوه في جمع المال ليس إلا هباء منثوراً، وأننا بعد الموت لن نأخذ منها إلى قبورنا حتى فتات الذهب.. وأمّا الوصية الثالثة فهو أن يعلم الناس أننا قدّمنا إلى هذه الدّنيا فارغي الأيدي وسنخرج منها فارغي الأيدي كذلك..
من يتأمل الأبعاد التي تنطوي عليها هذه الوصايا فإنها تجعل الإنسان يعيد النظر في الكثير من أولوياته في الحياة، وخصوصا أولئك الزعماء الذين استمرأوا في نهب ثروات شعوبهم وتكديس المليارات من أقوات الناس المحرومين منها، وإذا بهم يجدون أنفسهم خارجين من السلطة فلم تغني عنهم من أموالهم شيئاً..
ومما يروى في هذا الصدد أن أحد الزعماء العرب الذين خلعتهم شعوبهم عندما شعر بدنو أجله عكف على تجهيز قبره بمواصفات عالية الرفاهية تعيد للذاكرة ما كان يفعله ملوك الفراعنة قبل آلاف السنين، فقد أقام له مقبرة من رخام يعد من أغلى أنواع الرخام على الإطلاق قدرت بالملايين. المفارقة أن هذا الزعيم يحكم بلدا يصنف من أفقر البلدان ويعيش أكثر من نصف سكانه في فقر مدقع، ويتخذون من المقابر المهجورة مأوى لهم.
وتضمنت وصية الاسكندر الثالثة (حين ترفعوني على النعش أخرجوا يدي من الكفن وأبقوهما معلقتين للخارج وهما مفتوحتان..) حكمة بالغة لا يستوعبها للأسف الأغلبية من الناس هذه الأيام، إذ يجهلون حقيقة أنهم جاءوا للدنيا فارغي الأيدي وخرجوا منها كما جاءوا اليها... وقلة هم من يدركون هذه الحقيقة. من بين هؤلاء الملياردير العالمي بيل غيتس، إذ يؤثر عنه قوله أنه لن يترك كامل ثروته لأطفاله الثلاثة، وأشار ذات مرة إلى صحيفة الصن البريطانية أنه غير مهتم بالمليارات التي بحوزته، بل ينوي التخلي عنها للأعمال الخيرية مرددا مقولته الشهيرة: الأكفان ليس لها جيوب.
ومقابل هذا السخاء الخرافي من هذا الرجل الذي فاق كل التصورات ألا يجدر بنا التساؤل: أين تذهب ثروات المليارديرات العرب؟ الكل يعلم أنّ ما ينفقه هؤلاء في وجوه الخير يعد ضئيلا للغاية بل يعد فتاتاً، بينما جله تئن منه خزائن المصارف الغربية، والمفارقة أن هناك أعداد من فقراء البلدان العربية يبيتون بلا طعام. والمفارقة الأخرى هي تجاهلهم لأقوال الخطباء والدعاة ليل نهار من حث على الأنفاق وإرساء التكافل الاجتماعي..