في برنامج بث على إحدى الفضائيات العربيّة كان موضوعه البحث في الخطر الذي يتهدد لغتنا العربية فاجأنا أحد المفكرين العروبيين ممن تولّوا وزارة التربية على مدى سنوات طويلة بآراء مثيرة للغرابة والدهشة في آن واحد. لقد وجّه المثقف المسؤولية في تهميش اللغة العربية الى “الدّولة العربيّة” التي سلّمت حسب زعمه نظامها التعليمي الى المؤسسات الاجنبية لادارتها. واضاف أنّ اشكالية الحياة السياسية العربيّة ابتلعت المجتمعات العربيّة من قبل الدّولة.. والدولة لا يهمها أن يتعلم الناس اللغة العربيّة.. وهناك مع العولمة الجديدة - طبقا لوصفه - تنازلت الدولة العربيّة عن مسؤولياتها عن التعليم والصحة الى القطاع الخاص. وانتشرت المدارس الاجنبية التي يذهب اليها خيرة شبابنا.. الخ. طبعا هذه الآراء قد نتفق مع بعضها وقد نخالفه عليها جملة وتفصيلا. لكنّ المعضلة الكبيرة أنّ هذا المفكر القوميّ عندما اسندت اليه الوزارة قبل ما ينيف على العقدين من الزمن اراد ان يعالج مسألة هبوط مستوى التعليم آنذاك وهي القضية التي كانت تؤرق كافة فئات المجتمع في تلك المرحلة. وانطلاقاً من المبدأ الدّيمقراطي الذي يتشدق به طوال حياته في كتاباته وتنظيراته فانه دعا الى اجتماع يضم ممثلين عن الهيئات التعليمية والادارية مطالبا ايّاهم بتشجيع التعليم الحكوميّ بكل السبل الممكنة. لكنّ أحد الحضور صدمه بتساؤله: لماذا تصرّ وأنت المسؤول الاول عن التعليم بالحاق ابنائك في المدارس الخاصة؟ أما كان الاولى منه أن يجسد القدوة ليحتذي به الآخرون؟! لكنّ ايا من المتواجدين لم يحظ بردٍ يشفي الغليل.
اعتقد انّ الكارثة الكبرى التي يعيشها عالمنا العربيّ ليس في وجود المدارس الاجنبيّة في البلدان العربيّة كما يحاول ان يقنعنا البعض ومنهم هذا المنظّر.. لكنّها تكمن في هذا الانفصام الحاد بين التنظير والواقع. اذ ليس اسهل على المفكرين العروبيين من التنظير للآخرين لكن الصعوبة تكمن في تطبيقها على ارض الواقع العمليّ. إنّها ليست مشكلة هذا المثقف وحده بل انّها حالة تنتظم الاغلبية الساحقة من مثقفينا العرب.
نعم إنّ اللغة العربيّة في خطر. هذه حقيقة لا يستطيع أحد أن يتجاوزها أو يغض الطرف عنها. أمّا الدوافع الكامنة وراءها فهي عديدة بعضها يقع على عاتق الحكومات العربية بعدم اعتمادها كلغةٍ رسمية في المؤتمرات والمحافل العامة. وتتحمل وزارات التربية العربية شطرا أكبر من مسؤولية تدهور اللغة باسناد مهمة تدريسها الى فئة من المعلمين الغير متمكنين منها. والمصيبة الأكبر أن البعض من هؤلاء المعلمين يتحدثون أمام طلبتهم بالعامية. واذا كان هذا هو حال المربين فما الذي نتوقعه من طلبتهم؟ ومن الطرائف التي تروى في هذا السياق أنّ معلّمة تدّرس التربية الإسلامية وكانت تشرح لطالباتها موضوع الهجرة النبوية قائلةً: جاء الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إلى صاحبه أبوبكر الصدّيق رضي الله عنه قائلاَ “أنا عايز أهاجر.. قال له: ok!”. والخطر الآخر المحدق بلغتنا العربية فانه صادر من أولئك المتأدبين العرب ممن يدعون ليل نهار الى احلال العامية كبديل للفصحى تحت ذريعة أنّها باتت لغة عقيمة ومعزولة عن مجالات الحياة حتى قلّت طواعيتها. لا يعلمون أنهم بهذه الدعوى إنّما يطلقون النار على جسد اللغة.
أعتقد انّ ما يحاك لأمتنا من مخططات لا يستهدف الارض وحدها بل إنه يطال استئصال وجودها عبر هويتها المتمثلة في لغتها.