احتفالات بالنصر تعمّ بلدانا عربية من اقصاها الى اقصاها ونشوة عارمة تجتاح الشعوب العربيّة وهي التي لم تذق طعم الفرح منذ ازمان بعيدة.. أمّا الاسباب التي دفعتها لهذه الاحتفالات فليست بالتأكيد هزيمة ساحقة على عدّوها الازليّ عصابات بني صهيون! فهذا أصبح حلماً بعيد المنال فضلاً عن كونه لم يعد اولوية لبعض البلدان كما كان الحال قبل عقود.. ولا يكمن الدافع لهذه الانتصارات تحقيق ابتكار علميّ هزّ العالم وحديث المجتمعات.. لكنّ الامر باختصار شديد انّ شاباً عربيّاً أنجز “نصراً” استثنائيّا وفريداً من نوعه في برنامج تلفزيوني نظمته احدى الفضائيات على مدى اشهر عديدة في ميدان الغناء.
لابدّ من التنويه هنا اننا لا نناقش احتضان المواهب العربية وتشجيعها والدفع بها الى تحقيق النجاح وتبوأ المواقع الامامية فهذا بالتأكيد يستحق منّا بصرف النظر عن كل شيء التحمس لها بل المطالبة بدعمها من قبل الحكومات قبل المؤسسات الخاصة. انّ حديثنا محصور في ما رافق تلك الاحتفالات من بهرجة اعلامية فاقت كل التصورات الى الحد الذي شغلت الجماهير العربية من مختلف الفئات وجعلها تحبس انفاسها طوال شهور للتعرف على “البطل المنتظر”.
المفارقة الصارخة التي تستعصي على الفهم ناهيك عن المنطق هو أنّ كل هذا يجري وكأننا نعيش في عالم مخمليّ وخارج نطاق عذابات الانسان العربيّ ونطاق القهر والموت المجاني للآلاف من أطفاله ونسائه وشيوخه. كأننا لسنا في عالم عربيّ مكتظ بالحزن وتجتاحه المآسي من محيطه الى خليجه وتقطّع اوصاله من الوريد الى الوريد.
وبالمناسبة أتذّكر هنا قصة بالغة الحزن سردتها كاتبة عربية قبل سنوات بعيدة تحمل الكثير من الاسى والألم على ما آل اليه الوضع العربيّ. وللعلم هذا كان قبل سنوات تقارب العقدين من اليوم لكن من يتأملها جيداً يكتشف كأنّها كتبت هذه الايام لشدّة واقعيتها والتصاقها بواقعنا العربيّ المأزوم.
تقول “في العدوان الإسرائيلي الأخير كنت اتابع بقهر ذات مساء تلك الرسائل الهابطة المحبطة التي تبث على قنوات الغناء عندها استحضرت مقولة لستالين ابّان الحرب العالمية الثانية وهو ينادي الشعب الروسيّ للمقاومة والنازيون على ابواب موسكو صائحاً:
“دافعوا عن وطن بوشكين وتولستوي..” وقلت لنفسي مازحة: لو عاودت اسرائيل اليوم اجتياح لبنان أو غزو مصر لما وجدنا امامنا من سبيل لتعبئة الشباب واستنفار مشاعرهم الوطنية سوى بث نداءات ورسائل على الفضائيات الغنائية أن دافعوا عن وطن هيفاء وهبيّ وأليسا ونانسي عجرم.. الخ”.
ولو اردنا الاستشهاد بالامثلة على تجاهل المفكرين والمناضلين لاستعصى علينا حصرها في هذه المساحة لكن يروى أنه قبل سنوات خرج اسير مصري يدعى محمود السواركة من سجن اسرائيلي قضى فيه اثنين وعشرين عاماً لكنه لم يجد في انتظاره الجماهير التي ناضل من أجلها!. وحتى خبر اطلاق سراحه لم يستحق سوى مربع صغير في جريدة بينما اضطر مسؤولو مطار القاهرة الى تهريب نجم سوبر ستار اكاديميّ ويدعى محمد عطية بعد تدافع مئات الشباب والشابات.
ومن باب المفارقات المثقلة بالسخرية ما يذكر أن المناضلة الجزائرية الكبيرة جميلة بوحيرد كانت تسافر قبل سنوات قليلة على الدرجة الاقتصادية وكانت تحمل مؤونة غذائية لابنها الوحيد الذي يدرس في فرنسا. بينما يحتل ادعياء الفنّ والغناء الهابط الدرجة الاولى. أمّا الكارثة التي تطيّر العقل أنّ بعض هؤلاء يتنقلون بطائرة حكومية خاصة وُضعت تحت تصرفهم.. لأنّهم رفعوا اسم بلادهم عالياً.. ولا حول ولا قوة الاّ بالله العظيم.