بعد أيام قليلة جدًا سيرحل عنا شهر رمضان الكريم، والكثير من المواطنين ينفقون في هذا الشهر الأموال الكثيرة لتوفير احتياجاته، فهل هناك اقتصاد لرمضان؟ لشهر رمضان اقتصاد وله عدة جوانب، فالإسلام يوازن بين القيم الدينية والجوانب الاقتصادية بما يُحقق الإشباع الروحي والمادي للإنسان ليعيش حياة جيدة وطيبة.
يقول تعالى في كتابه الكريم “فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ”. وتقصد الآية الكفارة المالية التي يسددها من لا يستطيع الصيام لسبب شرعي، أو الكفارة التي يدفعها من قصر أو أخطأ في عبادة ما، ويكون ريعها للفقير والمحتاج. والجانب الآخر بما يتم دفعه من زكاة الصائم في آخر شهر رمضان والصدقات التطوعية الأخرى التي تساهم جميعها في دفع عجلة الاقتصاد والتوسعة على المعوزين من الفقراء والمساكين. ولنا في ذلك النبي العربي القرشي “صلى الله عليه وآله وسلم” الذي كان أجود الناس بالخير إلى الفقراء والمساكين خصوصا في شهر رمضان الكريم.
والصدقات التي يدفعها المسلمون خلال شهر رمضان الكريم الواجبة منها والمستحبة تحقق هدفا اقتصاديا آخر، ألا وهو “العدالة في توزيع الدخل” الذي بدوره يعمل على تقليص الفجوة بين طبقات المجتمع، وذلك بتحويل جزء من أموال القادرين “المدخرين للأموال” إلى الفئات المحتاجة إليها “الفئات المستهلكة صاحبة القدرة الضئيلة على الاستهلاك” من أجل زيادة استهلاكها، وزيادة الاستهلاك هذه ستعمل على زيادة عجلة السوق والإنتاج والبيع والشراء.
إن تنظيم عملية إعادة التوزيع من خلال أموال الزكاة والصدقات سيؤدي بالضرورة إلى زيادة الطلب الاستهلاكي في المجتمع، لأن الأموال التي ستستلمها الفئة المحتاجة ستعمل على زيادة الطلب الاستهلاكي من السلع المعروضة في السوق، وكلما ارتفع الطلب على السلع فإن ذلك سيعمل على استخدام أكثر لعناصر الإنتاج وزيادة الطلب على العمل في البلاد مما يؤدي إلى خفض معدلات البطالة وخفض مستوى الفقر إذا كانت هذه السلع تنتج في البلاد. وكذلك، فإن هذه الأموال التي يدفعها الميسورون إلى المحتاجين تعمل على تحريك الأموال وانتقالها بين الناس وعدم تخزينها من قبل الفئة المدخرة لها، وهذا الأمر يعمل على خلق قوة شرائية تزيد من النشاط الاقتصادي في البلاد وسد حاجات الفقراء المادية. ولا ننسى الدور الاقتصادي والاجتماعي لإفطار الصائم.
وهناك منفعة اقتصادية أخرى للصوم، وهي الصحة، فالصيام علاج للكثير من الأمراض، فالصيام بجانب منافعه الروحية للإنسان له أيضًا منافع جسدية، فالصيام وصفة طبية بسيطة ورخيصة تساهم في الشفاء أو التخفيف من الأمراض مما يعمل على تخفيض النفقات والأموال المنفقة على التداوي والعلاج من الأمراض. وهناك علاقة وطيدة بين الصحة والاقتصاد، فالمستوى الصحي لأفراد المجتمع يعكس الوضع الاقتصادي والاجتماعي لهم، فصحة إيجابية لأفراد المجتمع تعني مستوى اقتصاديا واجتماعيا جيدا في المجتمع.
وبجانب هذه الفوائد الإيجابية لاقتصاديات رمضان إلا أن العديد من أفراد المجتمع يضيعون بين إغراءات الاستهلاك والاقتصاد في الشراء في شهر رمضان الكريم، فشهر رمضان فرصة حقيقية لترشيد الاستهلاك ولإعادة ترتيب أولويات الإنفاق، لكن الواقع يشهد عكس ذلك، فالكثير من الأسر تحشد ما تملك من إمكانيات مالية لإنفاقها على موائد الأطعمة الرمضانية مما يجعل من هذا الشهر شهرًا استهلاكيًا، وبعض الأسر يزيد إنفاقها عن الأشهر الأخرى ما بين 30 % إلى 50 %. ونطلب من كل أسرة أن تقرأ فواتير إنفاقها لشهر رمضان الحالي من أجل ترشيد استهلاكها في شهر رمضان القادم، وعساكم من عواده.