العدد 1885
الخميس 12 ديسمبر 2013
البحرين الحجر الأول في الدومينو
في الصميم
الخميس 12 ديسمبر 2013

لست من الأشخاص الذين يتعافون من الصدمات سريعا، وذلك لأن الصدمات النفسية عكس الجروح السطحية تظل آثارها عالقة لا تندمل بل تظل موجودة.
مع كل تجدد للذاكرة، تجدني حذرا الى ابعد الحدود من الإفراط في الثقة مع الآخرين، وبالأخص الإيرانيين وذيولهم وأتباعهم. والحق أنني ما كنت أكتب هذه السطور لولا ان آثار الصدمة التي تجددت جراء ما سمعته من المفاوض النووي الإيراني السابق حسين موسوي في “حوار المنامة” الذي اختتم أعماله الأحد، اذ اقترح الاخ ان تقوم الولايات المتحدة بدور في تدعيم أواصر التعاون الأمني الاقليمي بين دول الخليج العربية وإيران والعراق وهو تصريح يكشف بمنتهى الوضوح اتساع “الفج” بين السياسة الخليجية والإيرانية، ولأسباب عديدة اهمها “مؤامرة ولاية الفقيه على البحرين”، وبالمناسبة هناك كتاب بقلم العبدلله سيصدر خلال ايام يحمل العنوان نفسه.
طبعا هذا الاقتراح المعجون بالغباء والفاضح لحجم المكر والخداع، ما كان يمكن ان يخرج من لسان مسؤول إيراني منذ شهر تقريبا، وذلك قبل ان يصبح “الشيطان الأكبر” حليفا للولي الفقيه. لكن لماذا اختار الإيرانيون الأميركان بالذات؟ ولماذا لم يلجأوا الى وسيط آخر، كالعمانيين مثلا، بحكم انهم الأقرب لهم ولدول الخليج من أميركا، كما لا ننسى ايضا ان العمانيين هم واسطة عقد الصفقة التاريخية للمحادثات السرية بين الولايات المتحدة وإيران، التي أدت إلى اتفاق نووي تاريخي.  صحيح أن اللعبة “انكشفت” مئة مرة في مئة مرة، وصرنا الآن أقرب إلى الاقتناع بحقيقة مُرة ومحزنة، خلاصتها أن واقعنا الراهن الذي يشقى بكل عناصر الإرهاب (بالصوت والصورة) وشارف على دخول عامه الثالث، مترتب ومحضر ومطبوخ في إطار عملية مراهنة بين الأميركان والإيرانيين، يوما بعد يوم تأتي البينة، لتوضح أن الأميركان اداة فاعلة في تأجيج الوضع في البحرين كما هو في مصر، اما تفاصيل اللعبة، فهي:  إشغال مصر بـ “الربيع العربي” حتى تسهل عملية التغيير في الخليج، والبداية من البحرين ومنها سيمتد التغيير للمملكة العربية السعودية وباقي الدول، وبذلك يسهل الاستيلاء على نفط وثروات هذه الشعوب، وبعد ان تستنفد اميركا حاجاتها من تلك الدول المُهْتَرِئة وقبل ان ترحل، تسلمهم - كما فعلت مع العراق - لإيران، تقلبهم كيفما تشاء!. مثل هذا الغدر الأميركي المشين بكل المقاييس والمعايير القانونية والأخلاقية، يصفه علماء السلوك الانساني بـ “قمة النذالة” في أقبح وأوسخ صورة، لأنه أتى ممن كنت تحسبه في ذات يوم، “صديقك وحليفك”، والواقع ان مثل تلك المخططات الشيطانية لا يمكن ان يكتب لها النجاح بدون ادوات تساعد على تحقيقها، والحقيقة ان المشهد البحريني – اجزم - يتطابق مع المشهد المصري، فكما ان في مصر ادوات زرعتها السفيرة الاميركية السابقة “آن باترسون”، كذلك الأمر نفسه في البحرين، وتكمن تلك الادوات في عيسى قاسم وعلي سلمان ومن هم في شاكلتهم، وهي ادوات تعمل بقوة الجهل والعمالة والإجرام، في جرجرة هذا الوطن والخليج خلف ظلام دامس وخراب شامل ومستنقع صراعات وحروب طائفية عبثية، حتى يسهل بالتالي الانقضاض على الخليج عبر منظمات ما يسمى بـ “حقوق الإنسان”.
فكر شياطين، رغم أنني شخصيا أتردد في وصف الأميركان بالشياطين، لأن من الظلم وعدم الإنصاف وضعهم فى سلة واحدة مع الشياطين، لأن فيه ظلم للشيطان نفسه. قد يكون التحليل في هذا المقال بعيدا عن الاقناع تماما لكنه يستحق التأمل، وتذكر عزيزي القارئ ما كان من قبل، حين كان يأتي الينا من يحدثنا عن مؤامرة “الشرق الأوسط الكبير” وكنا نفترش الارض ضحكا عليه، ونتهمه بعقدة المؤامرة، لكن ها هي تتكشف الحقائق أمامنا ويظهر لنا بجلاء ان السيناريو متحضر والخطة موضوعة والصفقات القذرة والتحالفات الرخيصة مجهزة منذ 2003 إبان غزو العراق وفي انتظار اشارة البدء، وفي لمحة البصر وجدنا انفسنا محشورين في قلب لوحة فوضوية مترامية وهائلة ومعقدة جدا اسمها “الربيع العربي”، لم تكن تخصنا أو تعنينا في شيء. باختصار يا سادة، نحن ضحية مؤامرة من نوع هو الأشد قذارة بين كل المؤامرات التي عرفها العالم، فرضها علينا الاميركان والإيرانيون، نستطيع أن نصفها بأنها مؤامرة مكتملة الأركان وليس لها مثيل في الخطورة وإنتاج الأذى الفادح والرهيب، ويعيش في الوهم من يتصور ان البحرين الوحيدة المستهدفة من هذه المؤامرة، بل هي الحجر الأول في الدومينو، فإذا سقط، سقطت الأحجار الباقية، ورغم ان كل ذلك معلوم، ومكشوف بل ومفضوح الا اننا – للأسف - الى الآن نستجير بالاميركان، وكأننا نستجير من الرمضاء بالنار.. طيب متى سنتعلم؟. أذكِّرْ بأن التغيير له أسباب وسنن وقواعد لن يغيرها الله لأجل خاطر عيوننا، حتى لو كنا نعتقد أننا نستحق ذلك “إن اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ‎”.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية