إن من دواعي الفخر والمباهاة والشرف أن مملكة البحرين قيادة وشعبا، من أوائل من أيدت وتفاعلت ودعمت دعوة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز للاتحاد الخليجي، وقد كان لرئيس الوزراء صاحب السمو الملكي الأمير خليفة بن سلمان آل خليفة النصيب الأكبر والسبق من علم وفضل في دعم فكرة الاتحاد، فسموه دائما ما يرتكز في جملة حديثه على أهمية الانتقال بمجلس التعاون من صيغة التعاون إلى صيغة الاتحاد؛ لما يمثله من خطوة إيجابية في طريق التكامل بين دول مجلس التعاون الخليجي، ومواجهة المتغيرات التي تشهدها المنطقة والعالم، وما تصاحبها من إشكالات وتحديات تستوجب على دول الخليج العربي رص الصفوف والتعاون على الأصعدة كافة، من خلال إقامة اتحادات قوية تستطيع التغلب على مثل تلك الإشكالات.
ربما كان سمو الأمير خليفة بن سلمان بحكمته وثاقب رؤيته يستشف مستقبلا لن يكون جميلا أو آمنًا أو مستقرًا على شعوب ودول المنطقة، في ظل آثار جمر التجاذبات الدولية واللعبات السياسية، والواقع الذي تعيشه العديد من الدول العربية، بفعل ما يسمى بـ”الربيع العربي” وآثاره المترقبة والمتوقعة على دول الخليج العربي، وربما كان سموه ينظر إلى الأخطار المحدقة بالمنطقة بعين السياسي الواعي المحب لوطنه وأمته، ويستشرف من خلالها الأفق ويقرأ بعين المجرب ما هو قادم وما يُحاك لدول التعاون في ظلم الليل، في ظل معطيات الحاضر.. وسبحانه يؤتي الحكمة من يشاء.. ومن عالم اليوم الذي لا يقيم وزنا للضعفاء، ولا يرحم الدول المتفرقة ولا يحترم إلا التكتلات القوية الكبرى، بات لزوما أن يستدرك قادة دول المجلس - وقبل أن يأتي يوم نبكي فيه على اللبن المسكوب - أن الوضع السائد في العالم لم يعد كما كان في السابق، وينبغي أن يعملوا على مواكبة التغيرات ومواجهة التحديات بمزيد من التكاتف والتعاون في إطار تكتلات واتحادات كما فعلت دول الاتحاد الأوروبي، فدخلت ضمن تكتل سياسي واقتصادي مكنها من الوقوف أمام التجاذبات الدولية رغم مع ما بينها من اختلاف في الاعتقاد واللغة والنظم السياسية. كن كالسماء ينظر الناس إليها ولا تكن كالأرض يدوس الناس عليها..
بعض الأنظمة الخليجية الرافضة للاتحاد لا تنظر إلى مصلحة شعوبها، وإنما تنظر لمصلحتها السياسية الأحادية وتقديم الخاص على العام والمصلحة الآنية اللحظية على النفع البعيد، ويقينا لو ترك الأمر للشعوب الخليجية بأن تحدد الرغبة فإنها ستعبر عن ماهية الاتحاد، فارفعوا وصايتكم واتركوا الشعوب الخليجية تتكلم وتقرر مصيرها، فالإنسان الخليجي العروبي ميال إلى التكتل والاتحاد والاندماج، تماهيا مع الذات الخليجية وذوبانها في الجماعة ومعها، بحكم تكوينه النفسي وإرثه التاريخي وبنيته الاجتماعية، وحلمه الذي يداعبه منذ مئات السنين، أن يتموضع في إطار اجتماعي جماعي لتحقيق ذاته المستقلة، المتميزة، المستقرّة، لحفظ تكوينه الخليجي الأولى، وهو نطفة في رحم أمة عربية.
لذلك فمن الموضوعية والوعي، أن تفكر جميع الأنظمة الخليجية - بجدية - بنقل مجلس التعاون الخليجي من صيغة “التعاون” إلى صيغة “الاتحاد”، حرصا أولا، على ديمومة بقائها في السلطة وسلامتها؛ لمواجهة التهديد الإيراني والتخاذل الأميركي وما يسمى بـ”الربيع العربي”، فالانتقال إلى الاتحاد ليس بالترف السياسي, بل ضرورة أمنية، سياسية، اقتصادية، إستراتيجية مُلحة، وحل في مواجهة التحديات المستقبلية القادمة، في ظل بروز عوامل عدة، قد تسهم مستقبلا في المزيد من الاضطرابات في المنطقة، وأبرزها التقارب الإيراني - الأميركي، والذي أصبح قاب قوسين أو أدنى على شفا اتفاق نهائي مبرم.
في الآن نفسه، من حق مسقط أن تمانع إقامة الاتحاد - إذا حصل - وألا تكون جزءا منه، كما جاء على لسان الوزير العماني يوسف بن علوي بن عبد الله، لكن الغريب والمريب والمحزن أن تهدد بالانسحاب من المجلس في حال تم الاتحاد، إذ لا يليق التعامل بـ”فوقية” أو “تعالٍ” بين الأشقاء، انطلاقاً مما يربط دول المجلس من علاقات تاريخية عميقة ومصير مشترك بين الأشقاء، ولا أتصور أن لغة التهديد تجدي نفعاً مع دولة في حجم المملكة العربية السعودية.والسؤال الجوهري القادر على رسم ملامح واقعية وتحديد الأحجام الحقيقية، هل لمسقط أن تعيش بمعزل عن دول مجلس التعاون العربي؟ وهل لها أن تجد بديلا “مناسبا” يغنيها عن الشقيق الخليجي “العربي”؟؟
.. يبقى السؤال حائرا، لأنه أحيانا يبقى السؤال أهم من الجواب، والجواب من المفروض أن يفضي إلى سؤال آخر؛ حتى يبدع الفكر، ثم يحلل، فيكشف المستور!!