بادئ ذي بدء، أثني على وزير الأشعال عصام عبدالله خلف، والذي عقد مؤتمرا صحفيا يوم الخميس الماضي، كشف فيه بعض المعوقات والأخطاء التي صاحبت بدء موسم هطول الأمطار، وتسببت بالضرر للكثير من الشوارع والمناطق وبعض منازل المواطنين.
والحقيقة أن الظروف المحيطة والحقائق التي سردها الرجل ووضعها بمنتهى الشفافية أمام الصحافة، تجعل أيا كان، أن يلتمس العذر، بل أعتقد من المستحيل وفي ظل ظروف العمل تلك، إلا تقع أخطاء “غير مقصودة”، وهنا أجد لزوما عليَّ أن أشيد بالشجاعة المتناهية للوزير، والذي لم يتهرب من المسئولية أو يلقيها علي غيرها، بل أقر أن هناك فعلا أخطاء دفعت إلى تفاقم مشكلة تساقط الأمطار، وبحد ذاته، فأن هذا الأمر – بالنسبة لي - فاق مستوى الرضا عندي، فنحن نادرا ما نشاهد مسئولا بحرينيا يعترف بوجود أخطاء، وهذا الأمر وإن كان شجاعة نادرة تحسب للوزير، إلا أنها أيضا دليل على صدق النوايا، فالإنسان السوي والعامد الى تهذيب الأخطاء، وتقليم المسببات للقضاء عليها، هو من يقر بوجود أخطاء؛ لان معنى ذلك أن هناك نوايا سليمة تتخلل تلك النفوس الطيبة وتعمد بصدق لتصحيح الاخطأ. أتصور أن مثل هذا الأمر لا يحسب للوزير عصام خلف فحسب، بل يدين أطرافاً حكومية أخرى – شريك رئيسي فيما حدث، كوزارة البلديات توارت خلف جدار الصمت، وكأنها لا تريد أن تعترف بأخطائها أو بمعنى أصح لا تريد العمل على تصحيح تلك الأخطاء.
إلى هنا، ومن ثم نلج إلى مفصل المقال، وهو تقرير الرقابة المالية، وما دمنا في حضرة وزارة البلديات، أجد من الأفضل أن نستمر في الحديث عن هذه الوزارة، والتي يبدو ومن التقارير السابقة والآنية، والتي بين يدي، أن هذه الوزارة نزيل دائم لدى ديوان الرقابة المالية لكثرة وكبر مخالفاتها المالية والإدارية.
كلاكيت عاشر مرة..
قال ديوان الرقابة المالية في تقريره العاشر والصادر مؤخرا إنّ وزارة شؤون البلديات والزراعة قامت بتاريخ 22 سبتمبر 2004 بالتوقيع على عقد انتفاع مع شركتين لتطوير واستثمار متنزه عين عذاري لمدة 32 سنة، وتبلغ قيمة الانتفاع السنوي للمتنزه 99 ألف دينار، وتزداد بنسبة 20 % كل خمس سنوات، وتدفع مقدماً كل 3 أشهر، إلاّ أن الديوان رصد عدم قيام الشركتين بدفع مستحقات الوزارة بصورة منتظمة، وبلغ مجموع المديونية حتى 31 ديسمبر 2012 حوالي 409 آلاف دينار، وذكر الديوان بأن الشركتين لم تلتزما ببعض بنود العقد، ومنها الالتزام برصد 20 % من تكلفة المشروع الحقيقية على شكل كفالة بنكية وذلك للقيام بالصيانة الجذرية اللازمة؛ لتأهيل المشروع في حالة عدم تسليمه بحالة جيدة في نهاية العقد.
وين ضميرك وين..
وجاء كذلك في التقرير أنّ وزارة البلديات أنشأت في العام 2008 سوق النويدرات بتكلفة بلغت 153 ألف دينار لجمع بائعي الأسماك والخضراوات بالمنطقة في مكان واحد، إلاّ أنها لم تستفد من المشروع حتى الآن، وترجع الوزارة ذلك إلى رفض الأهالي القبول بذلك بسبب صغر محلات السوق وعدم تكييفه.
ونواصل مسلسل التجاوزات في وزارة البلديات.. ويا سيدي “أشفط” ولا يهمك..
يقول ديوان الرقابة المالية، إنّ بلدية المحرق وقّعت في 26 أكتوبر 2010 اتفاقية مع إحدى الشركات لصيانة النافورة البحرية الواقعة بين جسر الشيخ حمد وجسر الشيخ عيسى بتكلفة شهرية تبلغ 2.200 دينار، بالإضافة إلى الترميم والصيانة الدورية، وذكر الديوان، بأنّ البلدية لم تقم بدفع المبالغ المستحقة للشركة بانتظام، ممّا أدّى إلى تراكمها، ومن ثمّ توقف الشركة عن القيام بأعمال الصيانة الروتينية في العام 2011، الأمر الذي أدّى لحدوث تلفيات وعدد من الأعطال الفنية للتوصيلات الكهربائية ومشاكل ميكانيكية في الأنابيب ومحابس المياه وإلى غرق النافورة في البحر، وأضاف بأن دائرة الصيانة في قسم المتنزهات قدّرت تكلفة رفع النافورة من جديد وصيانتها بمبلغ يفوق الـ 100 ألف دينار. وقديما قالوا “المال السايب يعلم ..” ، لكنني لم أفقه معنى هذا المثل، إلا بعد قراءتي لتقرير الرقابة المالية ومن جمل ما كشف أن وزارة البلديات اتفقت مع شركة لتنظيم معرض الإنتاج الحيواني 2012 بكلفة 1.5 مليون دينار دون عقد، حصلت على موافقة لصرف 1.5 مليون دينار لمعرض الإنتاج الحيواني 2012، وبلغت التكاليف الفعلية 2.8 مليون.
كما جاء في التقرير:
- بلدية المحرق تحيل “أبراج اتصالات” للنيابة وتحفظ بعضها الآخر دون مبرر.
- عدم تنفيذ بلديات “الوسطى” و”الجنوبية” لأحكام قضائية بالإزالة.
- قبول طلبات للحصول على تراخيص بناء من بلدية غير مختصة وفقا للتقسيم الجغرافي.
- طول إجراءات تحويل المخالفات البلدية للنيابة العامة.
- لا قرار يحدد مسؤوليات “البلدي الشامل” وليس معتمدا ضمن هيكل الوزارة.
وأما بعد..
نحن أمام فصيلين من خصوم هذه الوطن، ينخرون في أعمدته وأساسياته ومن ثم يهددون استقراره، ولا أتصور أن هناك فرقا كبيرا بين من (لا يحترم القانون) وبين من (لا يخشي القانون).
جمعية الوفاق ومرتادوها، واتباعها، ومقلدوها، معروف عنها بأنها لا تحترم القانون، وتدفع بكل السبل للخروج عن القانون، وتشجع وتحرض على أعمال العنف والتخريب والإرهاب، وتهدد أمن واستقرار هذا البلد، والدليل “اسحقووووه”، ومن ثم أصبحت جمعية خارج القانون، وجوب محاسبتها بالقانون والزج بقيادتها في أتون السجن وعلى رأسهم علي سلمان. وهناك مسئولون “عيني عينك” وبكل جبروت وافتراء يهدرون المال العام، تكررت أسماؤهم على قائمة المخالفين لتقارير ديوان الرقابة المالية منذ التقرير الأولى إلى التقرير العاشر، وكل عام يمارسون تجاوزاتهم نفسها.. هي .. هي، وهم بذلك يؤكدون أنهم لا يخشون القانون، ودون حتى أدنى عواطف أو إحساس بتأنيب ضمير، مع انعدام الحس بالمسؤولية تجاه وطن وشعب غلبان يخوض كل يوم معركة ببسالة للحصول على قوت يومه. لكن لا ألوم أحدا، ولا أنتقد الخونة، ولا أعتب على الذين يمارسون هدر المال العام عن اقتناع وشغف، بل ألوم غياب هيبة القانون، وأتصور أن حال هذا البلد لن ينصلح إلا بتطبيق القانون، فالسكوت عن تقرير الرقابة المالية – كعهد من سبقوه- أمر أصبح غير مقبول، وذنبا، نسأل الله ألا يغفره، بل ويدفعنا في ظل غياب دولة القانون أن نشكوهم إلى الله: يارب بحق جاهك وبحق نبيك محمد، عليك بالخونة والمفسدين، لكن يبقى أن نكون نحن أيضا مع الله ضد الخونة والمفسدين.