لعل الواقع الذي أفرزته ثورات الربيع العربي جعل من حسابات المراقبين للأحداث يعتورها التعقيد قليلا. فثمة متغيرات ألقت بثقلها في قواميس السياسة. فبات جسم الديمقراطية التي تمت ولادتها متعسرة مصابا بأعراض حديثة من متلازمة الواقع.. فقد غاب باختياره الخوف من السلطة وحاكميها إلى حيث الجرح والتعديل والمحاسبة العاجلة التي تخضع سنين الحاكم إلى مقاييس النجاح والفشل ومن ثم الخروج والتظاهر لإسقاط الرئيس.. على ضوء الحساب والنتيجة.
بدأ الموقف من مصر التي ينظر لثورتها دائما بالتقدير فموقع الدولة وتعمقها في الخارطة العالمية جعل من ثورتها مسار اهتمام وتأمل عميقين كانت بدايته بالثورة الجماهيرية التي أجبرت الحاكم ساعتها على خلع نفسه وتسليم السلطة للجيش ومن ثم كانت العملية الديمقراطية.. ولكن الديمقراطية التي رسخت في أذهان الناس على أن الانقلاب عليها دائما يكون بليل من (العسكر) هاهو الشعب المصري يدخل مفردة حديثة على الواقع السياسي بوأد الديمقراطية عبره.. ولعل ذلك قد يكون مبعث تساؤل واستفهام نتجاوزه باختيارنا إلى حيث ما نريد أن نكتب بأقلامنا إلا أن ذلك الواقع الجديد قد يجعل من دول الربيع العربي كلها في حيز الأزمة فالتحاكم الحقيقي أضحى لدى الشعب سواء بالحكم على التجربة بالسلب والإيجاب.
أضحى الشعب لاعبا أساسيا في قبول ورفض الحاكم المنتخب. لم يعد هنالك من صبر على الديمقراطية في ظل تلك المحاكمة القاسية.. فالشعب أضحى يستعجل قطف الثمرة فهو يريد رفاهية عاجلة تكون مكافأة حقيقية لجهده ومجهوده في الخروج على الحاكم ولكن طبيعة الثورات الشعبية تحتاج للصبر الجزيل بغية الخروج من حماس الثورة إلى ساحات العمل والرفاهية.
وفي ظل تلك المتغيرات يصعب اختيار البديل الذي يتوافق عليه كل الناس.. ففي الحالة المصرية نجحت المعارضة في مسعاها بسحب الثقة من الحاكم المنتخب، لكن من يضمن مستقبلا أن لا يخرج أولئك المعزولون فيقومون بتعبئة الشارع ضد الحاكم المنتخب بنفس الشعارات ونفس المنوال وبالتالي يتبدد الاستقرار وتعم الفتنة وتدخل البلاد حيز الفوضى الخلاقة.
يحمد للشعوب خروجها باختيارها على كل مستبد طاغية في حكمها وخروجها عليه. لكن ينبغي ان ينظر للخروج إلى الشارع من زوايا شتى قد تفتح الباب واسعا لتكهنات غير محمودة العواقب وغامضة للنتائج. أيضا قد تدخل جمل البلاد في سم الخياط وتعصف باستقرارها وما تنشده بخروجها في مستنقع الأزمات سبعين خريفا.. ولعل دول الربيع العربي أضحت تتحسس شعوبها خوفا من تكرار النموذج المصري في الخروج السافر علي الديمقراطية.. وبعضهم يستبعد تماما حدوث ذلك ولكن قرائن الأحوال وما استجد من متغيرات يجعل من استقرار كل الدول في كف عفريت.. فالشارع ذو استجابة سريعة لكل دعوات الخروج واسترداد الحقوق على ضوء ما رأينا في الواقع المصري.
هو واقع جديد يستحق الدراسة العميقة، فالديمقراطية لم تعد محصنة في ظل هدير الشارع وشعاراته المباشرة.. ولم يعد هنالك من صبر حقيقي يضمن لكل رئيس منتخب إنزال برنامجه لأرض الواقع فقد يسبق “الغضب” عليه الصبر عليه فلا تجدي ساعتها مفردات الشرعية والانتخاب.. فقد حكم الشعب على التجربة بالفشل وقد يكون الإجماع ساعتها بالتحاكم إلى العسكر.. ولكن هل يصبر الشارع على ذلك الواقع أم يحكم عليه بالخروج أخرى.