العدد 1728
الإثنين 08 يوليو 2013
قراءة للتفاعلات السياسية بمنطقة الشرق الأوسط راشد أحمد راشد
راشد أحمد راشد
الإثنين 08 يوليو 2013

يبدو أن التفاعلات السياسية في منطقة الشرق الأوسط بدأت تتجه نحو إعادة معادلة توازن القوى بوتيرة متسارعة ما بين ثلاثة أقطاب استراتيجية، أضلاعها إيران ممثلة للتيار الشيعي، وتركيا ومصر وتونس ممثلة للتيار السياسي الإسلامي المعتدل، والملكيات العربية المحافظة ممثلة بدول مجلس التعاون الخليجي والأردن، وأكاد أجزم بأن مصير ربيع الثورات العربية يعتمد على التفاعلات الإقليمية ما بين تلك الأقطاب الرئيسية.

المضلع الإيراني الشيعي، هذا المحور الإقليمي - ذو الأقلية العددية بحكم طائفيته - والأغلبية السياسية التوسعية في المنطقة نرى أنها بدأت تستعيد قواها الإقليمية من جديد، خصوصاً بعد السيطرة على سوريا، ومباركة الغرب لتصفية القوى الإسلامية المعارضة في أرض الشام، وبذلك بات المعسكر الإيراني وحلفاؤه في المنطقة يسترجعون نفوذهم كلاعب رئيسي مع وصول الرئيس الإيراني الجديد روحاني، ومد دول مجلس التعاون الخليجي يدها للتعاون مع إيران وطي صفحات الماضي وكأن شيئاً لم يكن، ويبدو لي أن التقارب ما بين المعسكر الخليجي والمعسكر الإيراني سيكون على حساب المضلع الإسلامي في المنطقة المتمثل بمصر وتونس وتركيا، وبذلك تدخل منطقة الشرق الأوسط في معادلة إقليمية جديدة لاحتواء التوسع الإسلامي السني بشكل عام بمنطقة الشرق الأوسط.
أما المضلع الإسلامي في المنطقة، فإنه يعاني من عواقب توسع نفوذه وشعبيته خلال ربيع الثورات العربية، وبدأ هذا الضلع ينحسر إقليمياً مع اندلاع المظاهرات والفوضى وأعمال الشغب في تركيا قبل عدة أسابيع، والمدعومة من قبل قوى إقليمية بارزة كإسرائيل وإيران وسوريا والعراق، وجاءت هذه التحركات الإقليمية لإشغال أبرز القوى السياسية الإسلامية في المنطقة، والذي غير توجه التفاعلات السياسية وتم لي ذراع الإسلاميين في تركيا من قبل إيران وإسرائيل بمسألة قبرص وصراعها مع تركيا على النفط والحدود، واستخدام معضلة الأكراد كورقة ضغط على أردوغان، وبذلك انحسر عميد التيار السياسي الإسلامي المعتدل في المنطقة بعد إشغاله داخلياً.
ونتيجة لذلك التراجع التركي، تغيرت موازين القوى في سوريا ومصر، فالأولى أصبحت قوى المعارضة فيها تحارب لوحدها الضلع الإيراني دون مساعدة حقيقية وفعالة من قبل الأتراك ودول الخليج، وعليه ما يجري الآن هو مجرد تمكين لإيران دولياً من أجل تصفية القوى الإسلامية المعارضة في سوريا، خوفاً من وصول التيارات الإسلامية لأراضي الشام، مع العلم أن أي تغير جيوستراتيجي لمصالحة القوى الإسلامية في سوريا سيكون على حساب أمن إسرائيل ومصالحة إيران في المنطقة، وبهذا تتجه القوى الإقليمية والدولية نحو إخماد روح التمرد والثورة في سوريا لحفظ موازين المعادلة السياسية في منطقة الشرق الأوسط، ولقد كان التواجد الأميركي في الأردن مع الحلفاء خلال الفترة الأخيرة جزءا من سيناريو إعادة توازن القوى في المنطقة ما بين تركيا ومصر من جانب وإيران والملكيات العربية من جانب آخر.
وعلى النطاق الآخر، فإن ما جرى في مصر من انقلاب باسم الثورة الشبابية، وبتصفيق الغوغاء في ساحة ميدان التحرير، فإن ذلك جزء من إعادة حسابات توازن القوى إقليمياً على حساب مصر وشعبها الذي لا يعلم أين يتجه، ولم يتجرأ الجيش بإعداد هذا الانقلاب الأبيض على الشرعية الدستورية إلا بعد حصول الدعم السياسي والدبلوماسي من بعض القوى الإقليمية، وعليه يكون التغيير السياسي في مصر ذا تأثير خارجي أكثر منه داخليا، خصوصاً مع رجوع فلول النظام السابق إلى الساحة السياسية وبتحالف مع البابا وشيخ الأزهر المعين من الحزب الوطني السابق والجيش والقضاء والقوى الليبرالية والعلمانية، وبمباركة الملكيات العربية، حتى قطر التي كانت الداعم الأول للمشروع السياسي الإسلامي في المنطقة باتت تتراجع خلف المنظومة الخليجية مع وصول الشيخ تميم إلى الحكم.
ومن منظور مستقبلي يبدو أن المعادلة الاستراتيجية الإقليمية ما بين إيران والملكيات العربية والتيار الإسلامي لن تستقر إلا بعد احتواء المشروع الإسلامي في تونس كذلك، وها هي حركة التمرد في تونس بدأت تنتفض على المجلس التأسيسي الذي يتزعمه الإسلاميون على شاكلة ما حدث في مصر، والمحصلة النهائية للصراع الإقليمي الثلاثي الأقطاب هو ازدياد تقسيم الأمة الإسلامية إلى دويلات صغيرة متناحرة، وبقاء إسرائيل وإيران في صدارة الخريطة السياسية لمنطقة الشرق الأوسط، هذا هو السلام الذي تنشده الدول الغربية الكبرى وحلفاؤها بالمنطقة ولكن على حساب تلك الشعوب العربية التي نالت ما نالته من ظلم واضطهاد طوال السنوات الماضية وتم استغلال طيبة بعض أهلها من أجل إعادة تلك الأنظمة البائدة التي ثارت عليها ولكن بوجوهٍ جديدة.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية