نحن نعيش اليوم في عالم يسوده على نطاق واسع الجوع ونقص التغذية والمجاعات المتكررة والتخلف والفساد والرجعية والطائفية. وكثيراً ما يقال - وإن ضمناً - أنه ليس باستطاعتنا الكثير لنقوم به لمعالجة هذه الأوضاع المؤسفة. وهناك من لا يكفون عن تكرار القول إن هذه الأوضاع يمكن أن تسوء وتتفاقم أكثر على المدى الطويل، خصوصاً مع زيادة تلاعب رجال السياسة بالشعوب والمجتمعات، وتنعكس حالة من التشاؤم الصامت في ردود أفعال الناس إزاء مظاهر تحكم السياسيين بهم، وإن الافتقار إلى الوعي على نحو ما هو واضح في معرفة رجال السياسة، أدى ذلك إلى تعمق حالة البؤس في حياة البشرية جمعاء، ولكن لا يوجد أساس قوي وواقعي يثبت احتمالية تحكم وتلاعب الساسة بالناس إلى يوم القيامة، كما لا يوجد أي سبب قوي مقنع لافتراض أبدية جهل الناس برجال السياسة، لا بد أن يأتي يوم تشرق فيه الشمس لا نسمع فيه أي سياسي يثرثر في أسماعنا.
أعظم معضلة يشتكي منها الإنسان الواعي تجاه سلوكيات وسيكيولوجية رجال السياسة هي رسالة مفادها أن السياسيين يتلاعبون بنا، ونحن لا نعلم كيف يتلاعبون بنا، ومن الناس من يعلم كيف يتلاعب الساسة بالجماهير، ولكن يتجاهل هذا التلاعب دون ردة فعل، ويفضل أن يكون مراقبا ومتفرجا للوضع السياسي، إما أن يكون خائفاً من تداعيات الساسة إذا أبدى أي مقاومة تجاههم، أو يكون في حالة اليأس التام من مصيرنا، وللأسف هذه الفئة الواعية من الناس لا تسعى لاحتواء شهوات الساسة ومصالحهم، ويعتقدون في الوقت ذاته بأنهم يشعرون بالارتياح عندما ينعزلون، لكن في مغبة أنفسهم يسألون هل نستمر بالعمل نفسه؟ وهل نترك البشرية تتجه نحو الهلاك من جراء فساد بعض رجال السياسة؟
لا يمكن للبشر أن يفهموا كيف يتلاعب بهم الساسة دون أن يحاولوا أن يغيروا سلوكياتهم وأفكارهم تجاه السياسيين، يجب على عامة الناس أن يصلوا إلى مرحلة الوعي الكافي، والمسؤولية تجاه أنفسهم ومجتمعاتهم، والعمل على تطوير الذات بكافة المجالات. حينها يمكن لعامة الناس أن يفهموا كيف يتلاعب بهم بعض الساسة، أما أذا استمروا في التفكير بتوفير الخبز وتربية الأولاد والتمتع بالملذات، فإن بعض الساسة وخصوصاً في الدول الغربية لن يرحموا البشرية بشهواتهم الحيوانية ومصالحهم الذاتية، إضافة إلى ذلك، لا يمكن للبشر أن يفهموا كيف يتلاعب بهم الساسة دون ترك الأفكار الغبية، ومعظم تلك الأفكار تدور في فلك العاطفة والسذاجة، فعلى سبيل المثال، لا زال هناك مجتمعات في العالم الغربي تعتقد بأن السياسيين شغلهم الشاغل هو مصلحة المواطن والوطن، وأنهم يكافحون لأجل مساعدة الناس ورعايتهم، ولكن في الحقيقة أن الساسة يعملون ليلاً ونهاراً للتحكم بالناس؛ لتحقيق مآربهم الخاصة وشركاتهم الاستثمارية.
إن كثيرا من السياسيين الذين عينوا أنفسهم كقادة على البشر لا يقتصر دورهم على مجرد محاولة التلاعب بعواطف ومشاعر وسلوكيات الناس، بل هم يسعون إلى إعادة تشكيل العالم وفق رغباتهم وشهواتهم، وقد نجحوا في ذلك، وإن مزايا التلاعب بالناس مكنتهم من النجاح في السيطرة على كراسي الحكم والتحكم بإرادة البشر، ويبدو أن الجرأة الزائدة والثقة العمياء بالنفس ودقة البصيرة والثروة الشخصية قد جعلت السياسيين يقومون بأدوار رئيسة في حياتنا.