وجود دولة الفاتيكان داخل العاصمة الايطالية روما، لم يكن ليضعف الدولة الايطالية أبدا، كون الفاتيكان لا يتدخل في السياسة الداخلية أو الخارجية لايطاليا، على الأقل فيما هو ظاهر للعيان، مع العلم انه لا بد من بعض التدخلات التي دائما وليس غالبا تكون من خلف الكواليس.
وجود البابا في “القصر الرسولي” لا يهدد وجود رئيس الدولة أو الحكومة، على الرغم من أن دولة الفاتيكان مستقلة إداريا وماليا عن ايطاليا، فهذه الدولة تدير شئونها بما يحفظ لها بقاء “الكرسي الرسولي”، وهي تجربة فريدة من نوعها لا يمكن لها أن تتكرر لسبب بسيط جدا هو أن النظام البابوي يدرك تماما مخاطر تدنيس الثوب الأبيض بالسياسة، التي من شأنها “علمنة” الممكن، دون إضفاء هالة من القداسة على دنسها.
للفاتيكان رئيس وزراء معين من قبل البابا ونشيد وطني خاص وسفراء ومصرف مركزي يعد من أقوى وأغنى المصارف العالمية، وأيضا للبابا ممثلين و”وكلاء”، إلا أنهم جميعا لا يحاولون أبدا أن يلعبوا دورا سياسيا، فهم دعاة سلام أو بالأحرى “تبشير” وليس سياسة، علما بأن السياسة أصبحت شرا لا بد منه، إلا انه لا يكون ظاهرا شاهرا.
اقرأ بين سطور مملكة البحرين، وجود فاتيكان آخر، لا يحاول الاستفراد بحكم ذاتي وحسب، بل هو يحاول تغيير منظومة الحكم بغض النظر عن التبعات المحلية والإقليمية، على مبدأ “أنا ومن بعدي الطوفان”.
ليس أدل على استضعاف الدولة من ممارسة الدولة داخل الدولة، وهذا ما أراه واقعا في البحرين للأسف الشديد، فهناك دولة لها مركز وحاكم ورئيس وزراء ونظام مالي مستقل وسفراء بل وحتى جيش مدرب، يتمتع بألقاب البطولة في ظل “نضاله” و”استبساله” ضد “الدولة” في سبيل “التمكين” والوصول إلى “النصر”، وإلا ماذا نسمي زيارة المبعوث الأمريكي الذي لم يعط أي اعتبار لا للحكم ولا لسيادة الدولة، و”طق الوجه شنانه” وشق طريقه إلى “الحاكم”، وطبعا بمعية السفير الأمريكي وفي حماية أمريكية بالطبع، وانتهت الزيارة وعاد إلى بلده لينقل تقريره مكتوبا ومسموعا، مشفوعا طبعا بتوصيات “الحاكم”.
إضفاء صفة المقدس الذي بزواله تزول “الأمة” في ظل دولة من المفروض أن تكون قائمة ولها سيادتها وشرعيتها الشعبية والدولية، يوقع الحكم في إشكالية خطيرة، بمعنى أن هناك شرعيتين في الدولة، واحدة تستمد شرعيتها من وجودها التاريخي كدولة، وأخرى “شعبية” مصبوغة بصبغة دينية، وما هو مصبوغ بالدين لا يمس، وهذا بالطبع يسقط هيبة الدولة وأجهزتها، ولذا فلا القوانين معترف بها ولا الإجراءات، بل يصل الأمر في حال تطوره إلى إسقاط شرعيتها وتكوين وطن مواز للدولة القائمة، تبدأ بتغيير أسماء الشوارع والمدن وانتهاء بالعمل على تغيير الحكم والحاكم، وكله بمباركة اتفاقيات ومعاهدات وأوراق حقوق الإنسان والحرية والديمقراطية، في حين أن كل دول العالم التي “تحترم نفسها” تقف الديمقراطية فيها عند حدود الأمن القومي، إذ أن للأمن القومي الضرب بيد من فولاذ وتكسير رأس كل من يحاول أن يطل خارج الحدود، فلا حقوق إنسان ولا حرية تستطيع الوقوف أمام حماية الدولة من الداخل.
ما أراه في البحرين ــ ويراه غيري أيضا ــ عبارة عن محاولة لخلق فاتيكان يمثل القداسة، له قوانينه الخاصة وصولا إلى الحصول على الشرعية، فهل في استطاعة البحرين أن تتحمل هذا العبء باسم “كتاب بسيوني المقدس”؟