العدد 2112
الأحد 27 يوليو 2014
غزة وعقاب المقاومة
ستة على ستة
الأحد 27 يوليو 2014

هي بالقطع حرب غير متكافئة على الإطلاق، ناهيك عن عدم مشروعيتها أو عدم أخلاقيتها أو همجيتها غير المسبوقة، لكنها تظل بالنهاية مواجهة بين كيان صهيوني محتل غاصب ضد قوى فلسطينية اختارت السير عكس التيار الإقليمي السائد الذي تسيطر عليه مصطلحات ومفاهيم من قبيل التفاوض والحوار والتسوية والتفاهم وعدم العنف والإرهاب وغيرها من المصطلحات التي تجد رواجًا كبيرًا لأنها تتوافق مع الرغبة في إبراء الذمة وعدم مناصرة القضية والتهرب من الدماء الفلسطينية التي تنزف في غزة وتحصد المئات.
لقد كانت الفرصة سانحة للتخلص من هذه الفصائل التي تصر على مفاهيم مغايرة من قبيل المقاومة والكرامة والعزة والاستشهاد وغيرها من المصطلحات التي باتت تثير الاشمئزاز في نفوس الكثيرين خصوصا أنهم منهمكين هذه الأيام في مشاهدة مسلسلات شهر رمضان الكريم وما يليه من أفلام بمناسبة عيد الفطر السعيد، فلا وقت لهذا “الهراء” الذي تقوم به فصائل المقاومة في وقت انشغالنا بهذا الكم الهائل من الأعمال الفنية الجديدة التي تكلفت أموالاً طائلة كي تخرج للجمهور في هذا الشهر الفضيل.
أجواء هي الأولى التي نعهدها في هذا الصراع القديم الجديد بين العدو الإسرائيلي والمقاوم الفلسطيني، ولا نعرف هل كان ذات الشعور “الكاره” للمقاومة موجودًا قبل ذلك دون أن يمتلك جرأة الإعلان والبوح أم أنه شعور جديد ومفاجئ لم تكن له مقدمات.
المهم ان الجولة الحالية من الصراع جاءت وتزامنت مع رغبة إقليمية في عقاب المقاومة الفلسطينية على اعتبار أنها السبب الرئيس في الانقسام الفلسطيني “المعطل” للتفاوض مع المحتل الصهيوني، وهي المسؤولة كذلك عن الأوضاع الخانقة التي يعيشها قطاع غزة الذي لم يجد يدًا حانية رغم الأوجاع الكثيرة والمعاناة الرهيبة التي كانت كافية لإخفاء معالم هذا القطاع لولا الروح الباسلة المتغلغلة في أبناء هذا القطاع والتي مكنتهم من العيش والبقاء على قيد الحياة رغم البيئة الإقليمية الطاردة لهم ورغم الحصار الإسرائيلي الشامل المفروض عليهم برًا وجوًا وبحرًا بهدف دفعهم إما إلى الموت البطيء أو إذلالهم وإجبارهم على تقديم فروض الطاعة والولاء للشروط الإسرائيلية السالبة لجميع الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني والقبول بالفتات الذي يسمح به الكيان الصهيوني.
لم تفوت إسرائيل هذه البيئة الدافعة للغزو، فقامت بشن الحرب الحالية وهي واثقة أنها ستكون مجرد نزهة وتدريب لجنودها حتى لا يتعرضوا للصدأ جراء الأجواء المسالمة التي يعيشها الكيان الصهيوني مع جيرانه.
لم يدر بخلد قادة الاحتلال أنهم سيواجهون مقاومة حقيقية تلحق بهم خسائر غير متوقعة، إذ كيف للفلسطينيين أن يقاوموا أو يواجهوا أحدث الأسلحة وأقوى المعدات، وكيف لهم أن يعلموا أصلاً بالفنون القتالية الحديثة وهم محاصرون مكبلون لا يعلمون شيئًا عن العالم الخارجي بعد أن فرضت عليهم عزلة شاملة.
ولكن، وقع ما لم يكن بحسبان أي مراقب أو محلل أو خبير، بعد أن استطاعت المقاومة الفلسطينية أن توقع خسائر ملموسة ومؤثرة في الجانب الإسرائيلي الذي يحرص بكل السبل على عدم الإعلان عن تلك الخسائر إلا في أضيق الحدود حتى لا ترتفع الروح القتالية للمقاومة الفلسطينية وتنهار روح جنوده ويصاب أبناؤه بالإحباط.
نجحت المقاومة نجاحًا مذهلا في تطوير الصواريخ التي لم يصل مداها قبل أربع سنوات إلى أكثر من أربعين كيلومترا، لكنها وصلت حاليا إلى أكثر من مئة وعشرين كيلومترا، إضافة إلى تسيير طائرات بدون طيار، والعبوات الناسفة ومضادات الدبابات ونيران القناصة وهي نجاحات دفعت بعض المحللين الإسرائيليين إلى المطالبة بتشكيل لجنة تفحص ثغرات الاستخبارات الكبيرة، وتفحص من المسؤول عن عدم وجود ما يكفي من المعلومات عن قادة المقاومة والصواريخ التي تمتلكها والأنفاق التي حفرتها.
صحيفة ديلي تلغراف البريطانية في عددها الصادر في 26/7/2014 أكدت أن كلا من إسرائيل وحماس أظهر اتقانا تكتيكيا في هذه الحرب، كل حسب طريقته وإمكانياته فمن ناحية أثبتت حماس أنها تمكنت من تطوير قدراتها وظهر ذلك في تهديدها لمواقع استراتيجية بتل أبيب والتأثير على اقتصادها، ومن الناحية الأخرى تمكنت اسرائيل من اعتراض نحو 86 في المئة من الصواريخ التي استهدفت بلداتها بفضل القبة الحديدية.
وفي إسرائيل نفسها، قدر اتحاد وكالات السياحة إجمالي خسائر قطاع السياحة الذي يلعب دورا مهما في الاقتصاد الإسرائيلي جراء تداعيات الحرب على غزة بحوالي نصف مليار دولار، مؤكدًا أن قطاع السياحة تلقى ضربة في الصميم، خصوصا بعد إيقاف الكثير من شركات الطيران العالمية رحلاتها من إسرائيل وإليها، متوقعًا انخفاض عائدات السياحة بنسبة تتراوح بين 30 و40 % في فصل الصيف.
على صعيد الخسائر البشرية المباشرة، أحصت المقاومة الفلسطينية مقتل 78 جنديا إسرائيليا حتى يوم 26/7/2014، إضافة إلى إصابة أكثر من مئتي جندي بينما اعترف جيش الاحتلال الصهيوني بمقتل 35 جنديا من جنوده خلال نفس الفترة، وأعلن أنه حبس العديد من جنوده ومدنيا واحدا بتهمة تسريبهم أرقاما عن القتلى والمصابين إلى وسائل التواصل الاجتماعي قبل إبلاغ الأسر بقتلاها أو مصابيها رسميا، وتمت مصادرة هواتف الجنود الذين يشاركون في القتال، والسؤال الآن: من الذي قام بعقاب الآخر؟.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .