العدد 2049
الأحد 25 مايو 2014
الدعوة السعودية و”النشوة” الإيرانية
ستة على ستة
الأحد 25 مايو 2014

يبدو أن الدعوة التي نقلتها مؤخرًا وكالة رويترز للأنباء عن وزير الخارجية السعودي لنظيره الإيراني لزيارة الرياض وتبادل الآراء بشأن علاقات البلدين أحدثت صدمة في الأوساط العربية، حيث تلقاها البعض بترحاب شديد وأمل في إمكانية حدوث تقارب عربي - إيراني يأملون فيه ويسعون إليه خاصة أن هؤلاء من أنصار هذا التقارب ومن الداعين إليه على اعتبار أن إيران لا تمثل تهديدًا للعرب، وأنه بالإمكان التعاون معها وبناء جسور قوية من العلاقات التي من شأنها إعادة التوازن في المنطقة ومواجهة العدو الحقيقي لدولها وهو إسرائيل، مؤكدين أن ثمن التباعد والتنافر بين العرب وإيران ثمنًا فادحًا خاصة على الجانب العربي الذي يستنزف يوما بعد يوم جزء من قدراته وقوته الإستراتيجية لحساب آخرين ومن بينهم إيران.
وأبدى هؤلاء سعادتهم البالغة بهذه الدعوة السعودية على اعتبار أنها قد تكون مقدمة لتطبيع في العلاقات وتقارب في السياسات وزيادة في المكاسب والقدرات وتفاهم في القرارات بين الجانبين العربي والإيراني في مختلف قضايا وأزمات المنطقة خاصة الملف النووي الإيراني والأزمة السورية.
بينما كان للدعوة السعودية وقعًا صادمًا للبعض الآخر الذي يؤكد دوما أن إيران وليس إسرائيل هي الخطر الأكبر على الدول الخليجية والعربية، وأنها مصدر الخطر الرئيس على دول المنطقة والذي يجب الانتباه إليه ومواجهته لوقف تدخلاتها المباشرة وغير المباشرة في شؤون دول المنطقة خاصة البحرين وسوريا ولبنان فضلاً عن احتلالها الفعلي لدولة العراق وتحكمها في هذا القطر الذي كان عربيًا قويا في يوم من الأيام.
تخوف هؤلاء من أن تكون هذه الدعوة من قبل وزير الخارجية السعودي لنظيره الإيراني مقدمة لتعاون سعودي إيراني غير مرغوب من جانبهم أو لتقارب غير محمود من وجهة نظرهم، محذرين من مخاطر هذا التقارب وأثمانه الباهظة التي سيتحمل الجانب العربي دفعها بالكامل دون أن تقع أي خسارة على الجانب الإيراني.
وبين هذين الموقفين المتناقضين المتباعدين، غابت الرؤية الموضوعية الوسطية التي يجب أن ينظر بها إلى هذه القضية بل وإلى مجمل القضايا التي تعج بها المنطقة حيث لا نرى إلا الأبيض أو الأسود بينما اللون الرمادي هو الغالب في السياسة والعلاقات الدولية.
إن دعوة وزير الخارجية السعودي لنظيره الإيراني لزيارة الرياض هي بالنهاية مجرد دعوة للنقاش وتبادل الآراء ولا تعني أن كل شيء بات على ما يرام وأن الأجواء أصبحت مهيأة فورا لنسيان سجل حافل من الخلافات والتعقيدات التي تحول دون حدوث تقارب حقيقي على الأقل في المدى المنظور، والقفز عليها للإعلان عن نتائج ستظل وهمية ونظرية ما لم تجد هذه الملفات معالجة حقيقية ستأخذ وقتًا طويلا لإغلاقها وتسويتها بما يرضي الطرفين العربي والإيراني.
أخطر ما في هذا الموقف السعودي هو التوقيت، حيث يأتي في ظل “تيه “ إيراني بعد أن حققت طهران مكاسب إستراتيجية مهمة تكللت بتوقيع اتفاق “جنيف” مع دول 5 زائد واحد بشأن برنامجها النووي والذي منح طهران قوة كبيرة وسمح بعودتها إلى الساحة الدبلوماسية الدولية وكرّس نفوذها في المنطقة.
كما أن حليفها “المجرم” بشار الأسد يحقق على ما يبدو ثباتًا ملحوظًا يجذب معه تأييد الدول الغربية في ظل المخاوف الشديدة من المعارضة السورية التي تعاني ضعفًا أو انقساما أو تطرفا يبعد عنها الناظرين. أما حليفها الثاني أو ممثلها في العراق نوري المالكي، فهو ينفذ مخطط تفتيت العراق وفق الخطة الإيرانية المرسومة بسياسات وقرارات متطرفة ومنحازة لطرف دون آخر.
أما باقي الدول العربية فهي إما مشغولة بقضاياها الداخلية وأزماتها ولا تملك ما تعتبره “ترف” التفكير في القضايا الخارجية والعلاقات الدولية حتى لو كانت لها من المخاطر والآثار ما يؤثر كثيرا على مستقبل هذه الدول، أو أن هذه الدول تعاني انقسامًا في الرأي وتباينًا في الموقف تجاه دول الجوار من بينها إيران.
بمعنى آخر، الدعوة السعودية للدولة الإيرانية تأتي في مرحلة “انكسار” عربية في مقابل نشوة إيرانية، ما قد يؤدي إلى مزيد من الصلف الإيراني والتمسك بذات المواقف والسياسات التي تمثل نقاط الاختلاف بين الجانبين وتعيق أي تقارب بين الطرفين، وهو ما ينذر ليس فقط بفشل حدوث أي تفاهم أو تقارب، بل ربما تتحول العلاقات بين العرب وإيران إلى مرحلة أشد توترًا.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .