بين حين وآخر، يطفو على السطح زعماء وقادة نرى فيهم نماذج مضيئة تهفو قلوبنا إلى أن نجدها في دولنا كي تنصلح أحوالنا وتتحسن أوضاعنا، ومن بين هذه النماذج الساطعة الزعيم “نيلسون مانديلا” الذي ودع دنيانا منذ أيام قلائل.
مانديلا من الشخصيات القليلة التي تستحق أن نتوقف عند حياتها ولو قليلاً خصوصا في هذه الأجواء المظلمة والأوضاع المتردية التي تعيشها معظم الدول العربية، والتي تنبأ بها وحذر منها الراحل مانديلا منذ بدايتها عندما أرسل رسالة لشباب مصر وتونس، مشددًا فيها على أن إقامة العدل أصعب بكثير من هدم الظلم.
وتبدو هذه المعادلة هي المعضلة التي لم نجد لها حلاً حتى الآن، فإذا كان شباب بعض الدول قد قام بثورات على أنظمة ظالمة ونجح في إسقاطها إلا أنه فشل في إقامة أنظمة عادلة لأسباب كثيرة ومتنوعة، لعل أبرزها عدم خبرة هذا الشباب “الثائر” بألاعيب السياسة وتحالفاتها “القذرة”، فسقط هو الآخر في يد قوى راغبة وطامعة في السيطرة والهيمنة على مقدرات الدولة وإقصاء الآخرين وتهميش كل من لا ينتمي إليها ولا يؤمن بأفكارها.
جميعنا يعرف أن قدوتنا الخالدة وأسوتنا الحسنة رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم قد جمع بين قلوب الأوس والخزرج التي تنافرت أعواماً، وتقاتلت أزماناً وقامت بينهم حروب طاحنة على أسباب تافهة.
وها هو الزعيم الإفريقي نيلسون مانديلا يضرب نموذجًا وتطبيقا عمليا لمبادئ الرسول صلى الله عليه وسلم بانتهاج التسامح ونبذ الإقصاء السياسي، بينما تفنن البعض منا في إقصاء الآخر والتنكيل به.
وإذا كنا نكتفي بالحديث عن الزهد دون أن نقترب منه، فإن نيلسون مانديلا كان مثالا في الزهد “السياسي”، حيث تنازل طوعًا عن السلطة بعد خمس سنوات فقط من رئاسة الدولة رغم أن الدستور كان يمحنه الترشح لفترة ثانية.
هذا في الوقت الذي يدور فيه قتال شرس وحرب حقيقية بكل الأسلحة غير الشرعية، سواء من أجل “اغتصاب” سلطة أو البقاء في كرسي الحكم أطول فترة ممكنة.
غابت عن دولنا قيم كان يفترض أن نكون نحن أهلها وأصحابها؛ لأنها هي قيم الإسلام من سماحة واعتدال وعدل وإحسان، وحلت مفاهيم هي الأسوأ، وتقاليد هي الأفشل، وتحول الظلم إلى ظلمات، وبات القتل مألوفًا، والتشفي معروفًا، والتخوين سائدًا، والإقصاء قائمًا.
ولهذا تحولت دولة جنوب إفريقيا من دولة ممزقة تسودها الصراعات والحروب إلى دولة عصرية ناهضة؛ بفضل ثقافة التسامح والحوار، بينما تراجعت بعض دولنا للوراء كثيرًا وللخلف طويلاً؛ بسبب ثقافة الإلغاء وادعاء امتلاك الحقيقة وعدم القبول بالآخر ليس كرأي فقط، بل ككائن حي، فالقوي يعمل على إبادة الضعيف، ومن يمتلك السلطة عليه أن يسحق البعيد عنها؛ حتى لا يقترب منها ولا يقوى على منازلته ولا ينزع ملكه.
وأنا أتفحص بحزن وأسى أحوال عالمنا العربي وما يدور فيه من صراعات وانقسامات، تذكرت قول ربنا جل شأنه في سورة آل عمران (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).
إن من في السلطة والحكم يعملون بكل ما أوتوا من قوة؛ حتى لا ينزع الملك منهم حتى لو لجأوا إلى قتل الأبرياء وسفك الدماء، ويتناسون أن هذا الملك هو من الله تعالى وليس بسبب ذكاء لهم أو خطط وتدبير منهم أو أعوانهم، أما من ينزع الله منهم الملك فإنهم لا يعتبرون ذلك ابتلاء يصبرون عليه ويتدبرون فيه، خصوصا أنه قد يكون بسبب تقصير منهم أو انحراف لهم وقد يكون لتجنيبهم فتن الدنيا وشرورها، وهنا تخرب الأوطان ويهدم العمران.