العدد 1825
الأحد 13 أكتوبر 2013
إشادة أمريكية بالمجازر السورية
ستة على ستة
الأحد 13 أكتوبر 2013

 

يبدو أن مفاجآت ومحاولات التقارب بين واشنطن وطهران مازالت مستمرة دون أي مقاومة عربية أو دولية، فقد حظي نظام الطاغية “الأسد” بإشادة دبلوماسية أمريكية بعد يوم فقط من بدء خبراء دوليين مهمة تدمير أسلحته الكيماوية، حيث قال وزير الخارجية الأمريكي “جون كيري” إن العمل الذي أنجز كان بداية طيبة، مثنيًا على الأسد في إشادة نادرة برئيس اعتبرته واشنطن من قبل بأنه فقد شرعيته، قائلاً: “أعتقد أن هذا الأمر نقطة تسجل لنظام الأسد، بصراحة. هذه بداية جيدة ونحن نرحب بالبداية الجيدة، أعتقد أن هذه خطوة جديرة بالتقدير لنظام الأسد في استجابته سريعا”.

وتحمل هذه الإشادة الأمريكية دلالات كبيرة وخاصة أنها جاءت من قمة الهرم الدبلوماسي والشخصية التي تجسد السياسة الخارجية الأمريكية كما تحمل لهجة “ودودة” مخالفة عن اللهجة “العنيفة” التي اتسم بها الخطاب الأمريكي تجاه النظام السوري منذ بدء الأزمة في مارس من العام 2011م، ووصلت إلى حد إعلان التعبئة “الكلامية” والاستعداد” الصوري” للتدخل العسكري في سوريا، لكنها تراجعت رويدا رويدا إلى أن وصلت إلى غزل “كيري” بالنظام السوري الذي لم يتغير ولم يتبدل، بل ظل على قمعه وسحقه للشعب السوري، وربما يمنحه هذا التصريح وهذا الغزل قوة “معنوية” جديدة وضوء أخضر متجدد لمواصلة مجازره وحصد ضحاياه.   

إن أميركا بهذا التصريح تعطي كذلك رسالة للمنافس الروسي؛ كي يظل على موقفه المتعاون معها؛ من أجل التوصل لتسوية “مرضية” للطرفين أولاً قبل أن تكون مقبولة من الأطراف الإقليمية أو حتى من الداخل السوري، فواشنطن ربما تعلن بهذا التصريح انتهاء الحرب الباردة بين واشنطن وموسكو في الأزمة السورية ورغبتها في الانتقال إلى مرحلة السلام “الدافئ” وخاصة بعد أثبتت روسيا أنها خصم لا يستهان به ولا يزال يملك من الأوراق ما يجعله مؤثرا على الساحة الدولية وتحديدا في الأزمة السورية، وهو ما اتضح مؤخرا في اتفاق نزع وتدمير مخزونات الأسلحة الكيميائية التي يمتلكها النظام السوري ووضعها تحت الرقابة الدولية.

إذن يمثل هذا التصريح خطوة جديدة إلى الوراء ودليلا آخر على تأييد أمريكي ضمني لنظام دمشق وعدم رغبتها في حسم الأزمة، وإنما منح الأسد مزيدا من الوقت لقتل مزيد من الناس ووضع حد للأزمة بنفسه وبطريقته عبر الحرب والتدمير.

يمكن النظر أيضًا إلى تصريح كيري على أنه بمثابة إعلان لحسن النوايا الأمريكية تجاه الدولة الإيرانية وخاصة في ظل التصعيد الإسرائيلي تجاه طهران، والذي اتخذ مظاهر عدة منها تصريح رئيس الوزراء الإسرائيلي “بنيامين نتنياهو” الخميس الماضي (10 أكتوبر) بأنه ينبغي للحكومة الفرنسية الاستمرار في مواجهة إيران ورئيسها حسن روحاني بقوة لمنعها من امتلاك سلاح نووي، وألا تلتفت إلى ابتسامات روحاني، مشيرًا إلى أن ما تطرحه إيران من خلال تلك الحملة من الابتسامات بات أسلوبًا عفى عليه الدهر، وهي بحاجة إلى تعزيزه بأدلة مادية، وأن أجهزة الطرد المركزي ومفاعل بلوتونيوم الماء الثقيل تستخدم في تصنيع الأسلحة النووية، ونحن لا نريد إعطاءهم هذه الفرصة”.

وبعدها بيوم واحد، حذّر نتنياهو بريطانيا من استئناف علاقاتها الدبلوماسية مع إيران، ودعاها إلى مطالبتها الاعتراف بإسرائيل قبل أن تستعيد العلاقات الكاملة معها، قائلاً لصحيفة “فايننشال تايمز” البريطانية:” أعتقد أننا أمام قرار مصيري يتعين على أوروبا والولايات المتحدة اتخاذه حيال إيران، وعدم إبرام صفقة معها هو أفضل من إبرام صفقة سيئة؛ لأنها ستكون بمثابة اتفاق جزئي على رفع العقوبات عنها ومنحها القدرة على تخصيب اليورانيوم أو مواصلة العمل لإنتاج البلوتونيوم المطلوبين لإنتاج أسلحة نووية”.

واشنطن بذلك تحقق أكثر من هدف، فهي من جهة تطمئن طهران بأنها لا تتوافق مع إسرائيل، وأنها ستعمل على إزالة “سوء الفهم” بين الدولتين وتبديد أسباب القلق الإسرائيلي، والذي عبرت عنه صحيفة “وورلد تريبيون” الأمريكية مؤخرا عندما نشرت تقريرًا صادرًا عن معهد “جيت ستون” الأميركي للدراسات السياسية تحت عنوان “إنذار إسرائيل الأخير لإيران”، أشار إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي أكد للمجتمع الدولي على استعداد إسرائيل لتنفيذ الخيار العسكري لتدمير برنامج إيران النووي المثير للجدل، وأن إسرائيل حصلت على المنصات العسكرية لضرب إيران، والتي تشمل مقاتلات نفاثة من طرازي “اف-15” و”اف-16”، فضلاً عن أنظمة الصواريخ الباليستية متوسطة المدى وأنظمة الحرب الإلكترونية.

ومن جهة أخرى، فهي تحذر طهران إن لم تستثمر موقف واشنطن “الهادئ و”العاقل” حتى الآن مع طهران وحليفتها دمشق وتقوم بالخطوات المطلوبة تجاه برنامجها النووي وكذلك تجاه الأزمة السورية، حيث إنها في هذه الحالة ستكون عرضة لضربة إسرائيلية لمفاعلاتها النووية ولن تفعل لها واشنطن شيئًا في تلك الحالة بعد أن أهدرت الفرصة الراهنة في التقارب والحوار مع المجتمع الدولي.

يحاول البعض التخفيف من “هول” تصريحات كيري، ويجنح هؤلاء لعدم المبالغة في تفسيراتها؛ حتى لا يصابوا ومعهم آخرون بمزيد من الإحباط جراء المراوغات الأمريكية في الأزمة السورية، لذا فهم ينظرون إلى هذه التصريحات على أنها بمثابة “زلة لسان” غير مقصودة، وقد وجد هؤلاء ضالتهم في تصريحات المتحدثة باسم وزارة الخارجية الأمريكية “ماري هارف” التي حاولت توضيح ما قاله “كيري” بقولها: “لا ينبغي إساءة شرح كلمات كيري على أنها إشادة بالأسد. ينبغي أن يتنحى وموقفنا من ذلك لم يتغير. فالنظام قبل القيام بمسؤولياته في إطار عملية تدمير الأسلحة، ولكن هذا لا يمنحهم الشرعية السياسية لقيادة البلاد في المستقبل”.

وفي كل الأحوال، تبقى تصريحات جون كيري تجاه النظام السوري “فاضحة” لطبيعة النوايا الأمريكية وحاملة لمخاطر حقيقية وكاشفة عن حقائق أساسية أهمها أن واشنطن لا يمكن أن تكون بحال من الأحوال صديق “حميم” مأمون العواقب والشرور.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية