من السمات الرئيسة لأي قيادة الوضوح والحسم في المواقف وخاصة في القضايا التي لا تحتمل القسمة على اثنين، وتتطلب خطًا فاصلاً ومسارًا واضحًا ولا تقبل ترددًا أو غموضًا، حيث إنه قد يؤدي لنتائج غير متوقعة وتداعيات غير محسوبة.
وبقراءة فاحصة لمسار العلاقات الدولية نجد أن القلائل هم الذين يحتفظون بمواقفهم الثابتة بحيث يمكن أن تتوقع رد فعلهم تجاه قضية ما بأنه سيكون على نحو معين بالنظر إلى سماتهم الشخصية ومواقفهم التاريخية.
وفي صدارة هؤلاء يأتي رئيس الوزراء البحريني الأمير خليفة بن سلمان، حيث يعد نموذجًا واضحًا لتلك الحالة الفريدة من الثبات على الموقف الوطني والوضوح في القرار والحسم في الاختيار ما جعله العمود الرئيسي والمرتكز الفعلي في بناء الدولة البحرينية والحفاظ على لحمة المجتمع بعيدا عن المخططات المرسومة والأساطير الموضوعة من قبل القوى الدولية الاستعمارية ومن بعدها القوى الإقليمية الطامعة بعد أن انتزع عروبة البحرين حينما تواجه مع شاه إيران في السبعينات حينما قال له الأخير إن “إيران قادرة على أخذ البحرين بمجرد إرسال طائرة واحدة”.
فجاء رد الأمير خليفة بن سلمان، مؤكدًا :”أن البحرين صغيرة، ولكنها كبيرة برجالها وشعبها وستكون جمرة تحرق كل من يحاول الإمساك بها”، وكانت النتيجة أنه وفي الليلة نفسها خضع شاه إيران وأرسل مندوبه بموافقته على الشروط التي وضعها خليفة بن سلمان بشأن الاستفتاء الأممي على عروبة البحرين”.
وبعد أكثر من أربعين عامًا لم يتغير هذا الموقف ولم يتزحزح قيد أنملة، فاستمر على ثباته ووضوحه وحسمه، فبعد جملة من التصريحات والتدخلات الإيرانية المستفزة خلال العام الجاري، كان الرفض من الأمير خليفة بن سلمان لهذه التصريحات والتدخل، والتأكيد على ضرورة الموقف الواحد ورص الصفوف والالتزام بالوحدة الوطنية كضروريات يجب التمسك بها”.
وبالثبات والوضوح ذاتهما كانت ولا تزال مواقف الأمير خليفة بن سلمان تجاه القضايا كافة الداخلية منها والخارجية ، فعندما يتعلق الأمر بأمن الخليج على سبيل المثال، فإن الموقف هو الدور المحوري الذي يجب أن يلعبه مجلس التعاون الخليجي من خلال تطوير هذه المنظومة والوصول إلى الاتحاد الخليجي باعتباره الضمانة الحقيقية لأمن الخليج والمانع لأي تدخلات إقليمية أو دولية.
وعندما تتوسع الدائرة لتشمل الدول العربية، فإن الأمير خليفة بن سلمان دائم التحذير من المخططات التآمرية الخارجية الهادفة إلى إعادة تشكيل المنطقة بما يحقق مصالح تلك الدول المتآمرة ويتناقض مع مصالح الدول العربية نفسها، مؤكدًا في الوقت ذاته على أن زعزعة الأمن والاستقرار في أي قطر عربي لها تداعياتها على بقية الأقطار، لذا فمن الضرورة أن تبادر الدول العربية والإسلامية نحو المزيد من التنسيق والإسراع بخطوات التكامل السياسي والاقتصادي والاجتماعي.
وإذا انتقلنا للعالم بدوله ومنظماته، فإن المبدأ الحاكم لنظرة وسياسة الأمير خليفة بن سلمان هو الالتزام بالتعاون الإيجابي مع هذا العالم الخارجي واحترام مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للغير، والحرص على توثيق عرى التعاون مع الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة، إيمانًا منها بأن المنظمة الدولية تمثل ضمير الإنسانية، وبما تقوم به من جهود حميدة؛ من أجل تحقيق التقارب والتفاهم بين الشعوب على اختلاف أجناسهم وأعراقهم ودياناتهم.
وهذه المواقف الواضحة للأمير خليفة بن سلمان ترسخ جملة من الدروس التي تحتاجها الكثير من القيادات بعد أن تاهت المواقف واختلطت السياسات، ومن أهمها ما يلي:
1- الإلمام الواسع والإدراك التام بأبعاد ومواقف البيئتين الداخلية والخارجية، فالإدراك الصحيح بداية القرار السليم، ولا يتأتى ذلك إلا عن طريق الخبرات الطويلة والتجارب الواسعة كتلك التي امتلكها سمو رئيس الوزراء وجعلته قادرا على تشخيص مشكلات الواقع وتوقع مستقبلها وتطورها ومن ثم وضع العلاج السليم لها.
إن الحكمة والحسم نادرًا ما تجتمع في شخصية واحدة وقد جمع بينهما الأمير خليفة بن سلمان، وذلك بفضل إدراكه العميق لقضايا الداخل وأطماع وتوجهات الخارج، فضلاً عما يمتلكه سموه من رؤية ثاقبة تجعله يخترق حدود وفواصل الحاضر إلى رسم طريق المستقبل الذي يريده لأبناء وطنه.
2- تحقيق المصلحة الوطنية، حيث تجنح بعض القيادات بقصد أو عن دون قصد إلى مصالح لا ترتبط بمصالح الوطن، وهو ما يؤدي إلى السير في طريق هالك واتخاذ قرارات غير صائبة تدخل البلاد في مشكلات دائمة وأزمات مستمرة.
وقد يعود السبب في ذلك إلى عدم توافر الإدراك الكافي والخبرات اللازمة، أو إلى هوى في النفس يدفع القائد إلى اتخاذ مواقف لا تحقق مصلحة الوطن أو حتى غالبية أفراده، بل ربما تحقق مصالح شعوب ودول أخرى.
ولعل هذا ما يفسر جزئيًا أسباب فشل تجربة حكم الإخوان المسلمين في مصر بعد أن آثر الرئيس مصلحة الجماعة على مصلحة الوطن، فتحكمت هذه المصلحة الضيقة في قراراته وسياسته وأحدثت انفصامًا واضحا بين الشعب المصري.
وعلى العكس من ذلك، يمكن أن نرد أي سلوك وقرار وسياسة للأمير خليفة بن سلمان إلى الرغبة في تحقيق مصلحة الشعب البحريني، فأينما وجدت هذه المصلحة ستجد الأمير خليفة بن سلمان وذلك في ظل تلك الحالة المتميزة من التلاحم والتقارب بينه وبين هذا الشعب، وهو التقارب الذي يأخذ أشكالاً إنسانية واجتماعية كما الحال في المجالس الأهلية والزيارات الميدانية التي يقوم رئيس الوزراء للمشروعات والمناطق المختلفة وتواجده بين المواطنين في جميع المناسبات والأحوال. كما يتخذ هذا التقارب أيضًا أشكالاً مؤسسية تضمن ديمومته وتطويره كما هو الحال في المجلس الأسبوعي لرئيس الوزراء الذي يلتقي فيه المواطنين والمسؤولين بصفة أسبوعية، وكذلك في البرلمان الذي يمثل الشعب البحريني، حيث يحرص سمو رئيس الوزراء على مد جسور التعاون البناء مع ممثلي الشعب والقيام بزيارات بين فترة وأخرى لهؤلاء النواب؛ للتأكيد على هذا المعنى.
3- الرهان على الشعب في مواجهة جميع التحديات والمخاطر، باعتباره الرهان الرابح مهما طال الزمن أو تعقدت الأمور.
مرة أخرى نجد أن فشل الكثير من التجارب في الحكم هو بسبب اعتمادها بالأساس على الدعم والعون الخارجي، فظنت أنها باتت محصنة عن التغيير بسبب هذه الحماية، فإذا بحركة الشعوب تطيح بها وتقتلعها.
بينما كان ولا يزال رهان الأمير خليفة بن سلمان على هذا المواطن البحريني باعتباره السلاح الأمضى في كبح أية أطماع خارجية وتوترات داخلية، فسموه يؤكد دوما على وعي الشعب بمختلف أطيافه باعتباره الضمانة للوطن مما يحاك له من مخططات، والسد المنيع في وجه أي تدخلات.
ولعل آخر هذه التأكيدات جاءت خلال لقائه الصحفيين مؤخرا، حيث قال إن ما يهمه فقط هو شعبه وبلده، ولا يمكنه أن يترك هذا الوطن ليحصل له كما حصل لبعض الدول التي تفشى فيها القتل والدمار والخراب، وعلى الإنسان الواعي أن ينظر إلى حال تلك الدول وما جرى عليها. وفي الوقت نفسه أكد “أن علاقاتنا مع الدول والسياسات الخارجية لا يمكن أن تكون على حساب وطننا، فالمؤامرات التي تريد تدمير الوطن لن تتوقف، وهذه المؤامرات تأتينا تحت غطاء الديمقراطية”، مشددًا “إن الضغوطات الخارجية لا تهزني أبدا؛ لأن الشعب هو سندي، والشعب أقوى من كل شيء.. حتى من الجيوش، والعالم سيقف معك عندما يكون شعبك معك”.
وما كان للأمير خليفة بن سلمان أن يعتمد على هذا المواطن إلا بعد أن هيأ البيئة المناسبة والأرضية اللازمة؛ ليكون مواطنا صالحًا غيورًا على وطنه بفضل ما حققه من إنجازات ومكتسبات تنموية ومعيشية هائلة جعلت من المواطنين جنود للدفاع عنها والحفاظ عليها والعمل على مواصلتها وتنميتها باستمرار تلاحمها وتكاتفها خلف قائد المسيرة وباني النهضة ومحقق الحلم خليفة بن سلمان.