العدد 1734
الأحد 14 يوليو 2013
الإخوة الأعداء
ستة على ستة
الأحد 14 يوليو 2013

لم يكن أكثر المتشائمين يتخيل يومًا أن المجتمع المصري يمكن أن يمر بمثل هذه الحالة المخيفة من الانقسام والاستقطاب الذي وصل إلى درجة العداء الصريح بين معسكرين أحدهما مؤيد والآخر معارض للرئيس المعزول الدكتور محمد مرسي، وقد اختار أو فرض عليهما الدخول في صراع لم تشهده مصر من قبل.
وقد كان من الممكن ألا تصل الأمور إلى هذا المنحنى الخطير الذي وصلت إليه وذلك لو كان الرئيس “المعزول” الدكتور محمد مرسي قدم بعض التنازلات وحقق بعض المطالب التي كان يطالب بها الشارع المصري قبل أحداث 30 يونيو خاصة الاستفتاء على إجراء انتخابات رئاسية مبكرة وتغيير حكومة الدكتور هشام قنديل وتغيير النائب العام، إلا أنه أبى إلا أن يسير في طريق الإصرار والعناد ربما لاعتبارات وحسابات ثبت أنها غير صحيحة ومنها استبعاد تدخل الجيش والتعويل على الدعم الغربي وتحديدًا الأميركي له.
ولكن تدخل الجيش لحسم الأمر لصالح هذا الشباب “الثائر” و”المتمرد” مرة أخرى فكان عزل الرئيس الدكتور محمد مرسي والبدء في تنفيذ خارطة طريق أخرى وهو ما كان إيذانًا بمرحلة نوعية جديدة من الانقسام الذي كان موجودًا طوال حكم الرئيس محمد مرسي وبسبب سياساته بالأساس لكنه وصل بعد أحداث 30 يونيو وما تلاها إلى درجة العداء بين المعسكرين وذلك لأسباب عدة من أهمها وسائل الإعلام التي أقامت الأفراح والليالي الملاح لإسقاط الدكتور محمد مرسي وجماعة الإخوان المسلمين وراحت هذه القنوات الفضائية تبث روح العداء وتكشف بلا حدود عن مخزون هائل من مشاعر الكراهية ورغبة واضحة في الانتقام من الرئيس وجماعته وقامت بشحن المواطنين ضدهم للدرجة التي بات سقوط قتلى وجرحى من الذين ينتمون لجماعة الإخوان المسلمين أمر يثير الارتياح لدى هذه القنوات أو على الأقل لا يثير اهتمامها أو اعتراضها بل وتسعى إلى تبريره واختلاق الأعذار له.
أما السبب الرئيس الثاني لهذه الحالة من العداء الواضح فهو التمسك الشديد بالسلطة من جانب الدكتور محمد مرسي وجماعته حتى وإن كان الثمن شلالات من الدم.
فإن كان ما وقع قد وقع بالفعل، فما كان على الدكتور محمد مرسي وجماعته إلا النظر إلى المستقبل، فلو كان فعلها وأعلن “التنحي” حفاظا على هذا الشعب وهذه الأرواح لربما كان قد دخل التاريخ كغيره من الرؤساء الذين جنبوا دولهم ويلات مثل هذه الصراعات بتخليهم عن السلطة في مثل هذه الظروف الحالكة، وكان يمكنه عندئذ أن يعاود الكرة مرة أخرى ويترشح هو أو أي شخص من جماعته في الانتخابات المقبلة، لكنه آثر الدخول فيما يشبه حرب استنزاف ضد الدولة بحجة الحفاظ على الشرعية، فأي شرعية تلك التي تأتي على أرواح المواطنين.
تتذرع الجماعة بأن من حق الدكتور مرسي أن يكمل مدة رئاسته ثم يتم الحساب بعدها والعقاب أثناءها بأسلوب ديمقراطي وهو الانتخابات البرلمانية التي كانت على الأبواب.
وقد يكون هذا الكلام معقولاً، لكنه لا يراعي حقائق أهمها الحالة الثورية التي لا تزال تعيشها البلاد والإحباط الشعبي الرهيب من سياسات الرئيس المعزول، والذي أثبتت الأيام أنه لم يكن مؤهلاً لإدارة البلاد بطريقة ترضي الطموحات الثورية والآمال الشعبية.
صحيح كان حجم التحديات كبيرًا وضخمًا وهو ما كان يفرض على من يتولى مقاليد الحكم التعاون مع جميع أطياف المجتمع دون محاباة لطرف أو إقصاء لآخر، إلا أنه سار عكس التيار وعلى خلاف ما كان متوقعًا ومأمولا منه، وبدا الأمر وكأنه يحاول تعويض ما فات جماعته من حرمان على مدى عقود والاستئثار بجميع المغانم الممكنة بذريعة أنها عانت كثيرًا وتحملت طويلاً ظلم الأنظمة السابقة لها، فكانت الشرارة الأولى لإحداث الانقسام في المجتمع وإن ظل في مستويات غير خطيرة كما حدث بعد أحدث 30 يونيو.
ثم جاءت الأخطاء التي وقع فيها الذين يتولون إدارة البلاد حاليا لتصب مزيد من الزيت على النار المشتعلة، ومن أبرزها غلق بعض القنوات الفضائية والتي تعبر جميعها عن التيار المؤيد للدكتور مرسي، وبدء حملة اعتقالات واسعة لقيادات من جماعة الإخوان المسلمين والتيار الإسلامي عمومًا والمحاولات التي مازالت هادئة لكنها ستشتعل مستقبلا لتغيير دستور عام 2012م أو على الأقل بعض المواد والتي تتعلق بالشريعة الإسلامية، وجميعها إجراءات ولدت مخاوف لدى الكثيرين من استهداف الشريعة الإسلامية والمنتمين للتيار الإسلامي وتكميم أفواههم والعودة إلى قبل أحداث ثورة يناير 2011م، وربما هذا هو ما يزيد من أنصار الرئيس المعزول تدريجيا.
إن دقة الظرف وخطورة الوضع تتطلب تنازلات حقيقية من جميع الأطراف، فالإعلام عليه التوقف عن محاولات تشويه وتخوين جماعة الإخوان المسلمين، والجماعة نفسها عليها إعادة حساباتها ومراجعة أخطائها بما يزيد من اندماجها في المجتمع ويزيل الحواجز النفسية والسلوكية والفكرية مع باقي الشعب. أما السلطة الراهنة فعليها العودة إلى السياسات العادلة والتوقف عن السياسات الانتقامية ضد هذا الفصيل أو ذاك لكي نطفئ نار الفتنة ونقضي على سهام الانقسام ونتجاوز هذه الحالة الشاذة من العداء بين أبناء المجتمع الواحد.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .