دخلت مصر مرحلة خطيرة ومخيفة من الفوضى والاقتتال الداخلي بعد ساعات معدودة من “عزل” الرئيس الدكتور محمد مرسي والبدء في تنفيذ خارطة الطريق التي حددها وزير الدفاع والإنتاج الحربي الفريق أول عبدالفتاح السيسي بمشاركة بعض القوى الدينية والسياسية والشبابية، فمنذ هذه اللحظة يعيش المصريون توترًا دائمًا واقتتالاً متقطعًا بين فريقين أحدهما مؤيدًا للرئيس المعزول رافضًا لما حدث معتبرًا إياه انقلابًا عسكريًا كاملا وانحيازًا لطرف دون آخر ونكوصًا عما تحقق من خطوات ديمقراطية بعد ثورة يناير 2011 وخاصة فيما يتعلق بالرئيس المدني المنتخب والدستور الذي جاء بإرادة شعبية واستفتاء حر.
أما الفريق الآخر فهو الذي يعيش ما يمكن تسميته بنشوة النصر بعد أن استطاع تحقيق مراده في “خلع” رئيس البلاد الذي ضاقوا به ذرعا ولم يجدوا بدا من الثورة عليه وإقصائه عن الحكم لأنه تسبب ـ برأيهم ـ في تردي أوضاعهم وفشل في إدارة البلاد بالطريقة المأمولة.
وبرأيي أن “الانتقام” سواء كان حقيقيًا أو متوهمًا يمكن أن يفسر حالة القلق والارتباك التي تعيشها مصر منذ ثورة 25 يناير 2011 م وخاصة منذ انتخاب الدكتور محمد مرسي رئيسًا للبلاد وإلى الآن، حيث إنه فور هذا الانتخاب توالت استقالات المسؤولين تحت حجج ومبررات أهمها اختلاف التوجهات وعدم القدرة على الانسجام مع الفكر والبرنامج الذي تحمله جماعة الإخوان المسلمين، إلا أن هذا السلوك يمكن اعتباره رفضًا لنجاح أحد مرشحي الإخوان المسلمين ووصوله لرئاسة البلاد والرغبة في إفشاله في مهمته حتى لو كان ذلك على حساب الوطن.
على الجانب الآخر، ساهمت سياسات الرئيس “السابق” محمد مرسي في إبقاء هذا “ الستار “ الذي يفصل بين المنتمين لجماعة الإخوان المسلمين وبين قطاع لا بأس به من المجتمع المصري بفعل ممارسات وتوجسات ومخاوف متبادلة كرسها نظام الرئيس المخلوع مبارك وأبقى عليها إعلام ما بعد ثورة 25 يناير وزاد منها سلوكيات بعض القادة والمنتمين لجماعة الإخوان المسلمين والقرارات التي أصدرها الدكتور محمد مرسي على امتداد العام حيث كانت هذه القرارات في غالبها اقصائية لطرف وتفضيلية لآخر.
لعل الخطأ الأكبر الذي وقع فيه الرئيس السابق محمد مرسي هو عدم اتباع سياسة “احتوائية” لجميع فئات أطياف المجتمع والصدام غير الحكيم مع مؤسسات كثيرة وخاصة تلك التي تمتلك من التوغل والعمق في المجتمع ما جعلها قادرة على امتصاص الهجوم عليها والرد بقوة و”دهاء” والانتصار في النهاية.
فرغم أن الجميع يعلم أن مثل هذه المؤسسات تحتاج إلى تغيير شامل كونها تعج بالممارسات الفاسدة إلا أن الأسلوب المتسرع الذي اتبعه الدكتور محمد مرسي ساعد هذه المؤسسات بما تمتلكه من أدوات كثيرة في أن تظهر بمظهر المضطهد من قبل رئيس الدولة والادعاء بأنه “ينتقم” منها على إثر تاريخ يغلب عليه “العداء”.
وقد وجدت بعض القنوات الفضائية والتي يمتلكها رجال ارتبطوا بنظام المخلوع مبارك برباط أبدي مثل هذه المواجهات والصدامات فرصة “للانتقام”أيضًا من النظام الجديد من خلال خلق حالة من “العداء” بين المجتمع أو غالبية أفراده وبين النظام وتخويف المجتمع من سياسات هذا النظام والتحذير من رغباته “الانتقامية” من جميع مؤسسات الدولة ومن المجتمع بصفة عامة.
كان يمكن بل كان يجب على الدكتور محمد مرسي تأجيل مواجهاته وصداماته لحين تحقيق إنجازات معيشية وتنموية يكسب بها المواطن العادي إلى صفه ليكون سلاحه الأقوى في تلك المواجهات الصعبة لكنه فضل في الغالب الاعتماد على أبناء جماعة الإخوان المسلمين فقط في تلك المعارك التي أشغلت الرئيس ونظامه عن المعركة الحقيقية والأساسية وهي معركة البناء والتنمية التي لم تتحقق فيها إنجازات أو خطوات تغري المواطن أو تدفعه للتمسك بهذا النظام.
كانت النتيجة هي خسائر متتالية للرئيس المنتخب في معاركه الدستورية والقانونية ورفض مستمر لقراراته وسياساته حتى من قبل المقربين منه ومستشاريه ومساعديه وإحباطات كثيرة للمواطنين الذين كانوا يأملون في تحسين أوضاعهم، فحدث تحالف غير متوقع بين وطنيين مخلصين يعانون من تردي الأوضاع وانتهازيين طامعين في المغانم والمناصب و”فلول” مصرين على العودة من جديد وإقصاء جماعة الإخوان المسلمين.
كانت هذه هي الصورة والتي انعكست في 30 يونيو الماضي، حيث كانت ميادين مصر المختلفة شاهدة على هذا الانقسام الحاد بين المصريين إلى معسكرين أحدهما راغب في استمرار النظام والآخر رافض له ومصر على إسقاطه وهو ما تحقق بعد تدخل الجيش المصري الذي وجد أن إطالة أمد هذا الانقسام يمثل خطرًا على مصر وأمنها.
ورغم ذلك لم يحقق ما كان يطمح إليه الجيش المصري من استقرار وهدوء في الأوضاع، حيث استمر الانقسام وبات اشد وضوحًا وأكثر عنفًا وأشد خطرًا على السلم الأهلي والأمن القومي وظهرت دوائر انتقامية أخرى سواء بين المؤيدين للرئيس السابق محمد مرسي والرافضين له أو بين المؤيدين من جانب وقطاعات من المجتمع وبعض مؤسسات الدولة من جانب آخر، ولا ندري حتى الآن متى تنتهي هذه الدوائر الانتقامية ومن هو القادر على إغلاق هذه الدوائر الجهنمية التي وضعت مصر بكاملها في وضع خطير لا يمكن التنبؤ بتداعياته وأبعاده ولا حدوده وآجاله.