العدد 1721
الإثنين 01 يوليو 2013
الأمير القطري والرئيس المصري
ستة على ستة
الإثنين 01 يوليو 2013

في خطوة لافتة، فاجأ أمير قطر السابق الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني الشعب القطري والعالم أجمع بإعلانه التخلّي عن حُكم البلاد وتسليم المقاليد لنجله وولي عهده الشيخ تميم بن حمد، في عملية انتقال سِلمي للحُكم أثارت ولا تزال الكثير من الجدل بين أوساط المتابعين والمراقبين.
وأيًا كانت الأسباب والدوافع، فإن ما جرى في قطر جدير بأن يتم التوقف عنده كثيرًا واستخلاص الكثير من الدروس في السياسة والحكم، حيث قد يرسي قاعدة ونظرية جديدة لتداول السلطة ويقدم نموذجًا جديدًا لعدم الولع بكرسي الحكم والتمسك به حتى آخر العمر والدفاع عنه بكل قوة وبكافة السبل المشروعة وغير المشروعة كما هو حاصل في كثير من بقاع العالم.
ولا أدري لماذا توارد إلى ذهني مباشرة المشهد المصري وأنا أتابع ما يجري في قطر من انتقال سلس للسلطة دون ضغط أو إكراه، بل بمبادرة من الأمير السابق الذي أعلن منذ أكثر من عام أنه سيتخلى عن منصبه وبدأ بالفعل في التنازل التدريجي عن صلاحياته لولي العهد، الذي أصبح يُدير كثيرا من الملفّات الداخلية والخارجية إلى أن تمت عملية الانتقال الكامل للسلطة في الأسبوع الماضي.
فقلت في نفسي، ها هي قطر تلك الدولة الصغيرة المساحة المتخمة بالموارد والفارغة ـ أو تكاد ـ من المشاكل والهموم يتخلى أميرها عن منصبه طواعية ودون أن يطلب منه الشعب ذلك، بل ويخطط هو لانتقال السلطة لكي يتم بشكل سلس، بينما الرئيس الدكتور محمد مرسي تسلم بلدا مثقلا بالأزمات مليئا بالتحديات، ورغم ذلك يصر إصرارًا غريبًا على الانفراد بالحكم ويرفض عمليًا مشاركة من لا ينتمون للتيار الذي ينتمي إليه، وإذا قبل بهذه المشاركة فتكون شكلية “ديكورية” كما حدث في الاستعانة بقائمة طويلة من المستشارين والمساعدين الذين قبل بهم الرئيس ربما كرهًا تنفيذًا لما كان قد وعد به أثناء حملته الانتخابية لضمان تأييد أوسع قدر من التيارات والقطاعات، وبعد أن تحقق له ما أراد من وصول للرئاسة جاء بهؤلاء المستشارين ظنًا منه أنه بذلك يكون قد وعد فأوفى رغم أن ذلك كان مطلبًا واحدًا من مطالب أخرى أكثر أهمية. بل إن الرئيس فرغ الوفاء بهذا المطلب من مضمونه وذلك بعدم استشارته لهؤلاء المستشارين والمساعدين فتحولوا إلى موظفين بمؤسسة الرئاسة أو أنه كان يلجأ إليهم ليتخذ خلاف ما يشيرون به من قرارات وسياسات، وهو ما أدى إلى استقالتهم واحدًا تلو الآخر لعدم قناعتهم بالأدوار التي يؤدونها ورفضهم للسياسات التي يتخذها الرئيس والتي سببت لهم حرجًا كبيرًا أمام الشعب فآثروا الحفاظ على صورتهم الإيجابية التي كانت لهم قبل الانضمام لمؤسسة الرئاسة والتورط في أخطائها وكوارثها.
صحيح أن هناك فارق بين النظامين السياسيين وشكلي الحكم في كل من “إمارة” قطر و”جمهورية” مصر، إلا أن هذا الفارق كان يجب أن يكون في صالح تغييرات إيجابية وتطورات ديمقراطية أكثر تقدمًا في مصر، فإذا كان الأمير في قطر ضامنًا للبقاء وغير مضطر لتقديم تنازلات، فإن رئيس الجمهورية في مصر لا يضمن ذلك إلا لسنوات معدودة هي فترة انتخابه وربما أقل من ذلك في بعض الظروف والحالات الاستثنائية التي يرى البعض أنها متوافرة حاليا ولهذا يطالبون بتنحي الرئيس وإجراء انتخابات رئاسية مبكرة.
إلا أن ما حدث كان العكس، إذ بالضامن لبقائه في الحكم يمهد ثم يتنازل طوعًا بينما المعرض للتغيير في اي وقت يزداد تمسكًا بالمنصب وتفردًا بالحكم وإبعادًا للآخرين استنادًا على أنه الرئيس الشرعي المنتخب من قبل الشعب.
لا نقول إن على الرئيس الدكتور محمد مرسي أن يتنحى عن الحكم كما فعل أمير قطر السابق، بل نؤكد على ضرورة مراعاة الصالح العام وإعلاء مصلحة الوطن والسماح لجميع أبناء الوطن في بناء الدولة والمشاركة في تحديد مستقبل البلاد وأن يصغي للجميع ويتخذ من القرارات ويتبع من السياسات ما يعود بالنفع على الجميع وليس فئة دون أخرى أو فصيل دون آخر.
فرق كبير بين شخص أخذ وعدا على نفسه وأوفى به على أكمل وجه وآخر يدعي أنه لا يريد منصبًا ولا يبتغي كرسًيا لكنه يتمسك به بشدة ويرفض ملامسته من قبل اي شخص آخر.
وباعتقادي الذي صنع هذا الفارق الكبير بين الحالتين هو وجود رؤية من عدمها للحكم وإدارة البلاد، ففي قطر كانت هذه الرؤية موجودة ومعتمدة ومحددة بينما هي في مصر مفقودة وغائبة وتكاد الأمور تدار بصورة عشوائية وبأسلوب مرتبك قلق انعكس على الأوضاع في البلاد، حيث اصطبغت بنفس الصبغة المرتبكة.
صحيح أن حجم التحديات في مصر كبير ويضع قيودا كثيرة على صانع القرار، إلا أن وجود هذه الرؤية لإدارة البلاد من البداية يساهم كثيرًا في التغلب على بعضها وتحقيق قدر لا بأس به من الانجازات التي تساهم بدورها في تحقيق رضا شعبي وتخفيف حدة الاحتجاجات خاصة لو كانت هذه الرؤية تقوم على احتواء جميع العناصر الفاعلة في المجتمع.
ولا أدري إن كان الوقت مازال في صالح الرئيس مرسي ليحدد استراتيجية واضحة ويضع رؤية شاملة تزيل الاستقطاب الحاد في المجتمع وتحدث توحدًا وتوجد احتواءً للجميع تحت راية الوطن، أم أن الأمر لم يعد بيد الرئيس وانتقل للشارع الغاضب والمواطن الناقم على السلطة وأدائها.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .