العدد 2050
الإثنين 26 مايو 2014
أجيال ورا أجيال... إلى متى؟! غسان الشهابي
غسان الشهابي
ذرائع
الإثنين 26 مايو 2014

اتخذتُ استراتيجية منذ بضعة سنوات ألا أشتري كتاباً إلا إن كنت أحتاجه فعلاً، أو كنت سأقرأ أو أستفيد منه في الوقت القريب، ذلك لأن الكتب لا تتوقف عن الصدور، بينما تضيق المنازل بها من دون أن نقرأها، ونعد أنفسنا أن نتفرغ لها ذات يوم... وما أبعد ذلك اليوم!
إلا أن الظروف اضطرتني للعودة إلى كتاب قديم يتحدث عن التحديات التي تواجه العرب في القرن العشرين للنهوض التكنولوجي. لا لستُ مخطئاً، القرن العشرين، إذ يقول المؤلف أنطونيوس كرم “إننا نعيش جاهلية تكنولوجية”، وإن العرب يخلطون ما بين العلم والتكنولوجيا ويظنون أن التقدم الكمّي في المجال الأول – زيادة عدد المدارس والخريجين – يؤدي بالضرورة وتلقائياً إلى تقدم تكنولوجي بنفس المستوى والوتيرة.
ويواصل “إن أول ما يحتاجه العرب في هذا المجال، وفي غيره من المجالات، هو ثورة فكرية قيمة تغيّر نظرة الإنسان العربي إلى نفسه وإلى علاقته بالمجتمع والكون (...) وتتمثل هذه الثورة الفكرية في جعل الإنسان أثمن وأنبل ما في الوجود... القيمة العليا، ويتطلب الأمر كذلك إنشاء نظام تربوي يجسد هذه القيمة العليا ويضيف إليها منذ سن مبكرة للطفل روح المبادرة والإبداع وحب العمل المتقن والانتظام والمنهجية العلمية العقلانية وغيرها من القيم التي تخلق الإنسان القادر على التعامل مع متطلبات التنمية الشاملة والتغلب على تحدياتها الهائلة. ويتطلب الأمر قبل هذا وذاك، حكومة وقيادة تؤمن إيمانا راسخاً بهذه القيم وتعمل على تثبيتها في النظام التربوي وفي تعاملها مع الناس بحيث تظهر واضحة في تعامل الناس فيما بينهم على شتى المستويات الثقافية والاقتصادية والاجتماعية “[1].
رجعت إلى الصفحات الأولى للكتاب، والتي تحتوي معلومات النشر، فإذا به يعود إلى 32 عاماً مضت، إلى 1982، وسبحان القادر على كل شيء، فكأن هذا الحديث قد كُتب للتو، ولو جاء أحدهم اليوم ليعبّر عن علاقة العرب بالتكنولوجيا، فلن يجد أبلغ من الكلام الذي قيل، والأنكى من ذلك، لن يجد حلولاً كتلك التي أوردها أنطونيوس كرم في كتابه الذي يفيض بالمفارقات التكنولوجية بيننا وبين الأمم الأخرى. ولأن الكتاب يعتبر من الكتب القديمة، فلم يشهد حال الأمم التي كانت في مصافنا، بل وأقل منا في ذلك الوقت، وكيف غدت اليوم، وكيف تقدمت وتطورت وأخذت بكل أسباب القوة، الواحد بعد الآخر، بينما نحن لا نزال منكبّين على قضايا فرعية وثانوية، نشكو التآمر العالمي، وتكالب الأمم علينا، ونخدع أنفسنا بأننا محسودون، ولا أدري علامَ الحسد بينما نحن أمة في وضع لا تحسد عليه على المستويات كافة.
الرجوع إلى كتاب قديم كهذا، المسافة بيننا وبينه جيل كامل، على اعتبار أن الجيل هو ثلث القرن، أي حوالي 33 عاماً على أشهر الأقوال، تزيدنا سوءاً وبؤساً، وأرجو ألا تزيدنا يأساً. فهذه المدة هي أكثر من كافية لأي أمة تريد أن تنهض لتجد لنفسها مكاناً بين الأمم الكبرى، أو تحاول أن تتقدم نفسها اقتصادياً، واجتماعياً، وثقافياً، وسياسياً، وأن تكون محترمَة ومُهابة الجانب لدى الأمم الأخرى، بمقدار ما تحترم مواطنيها وتعتبرهم مبدأ ومنتهى كل حراكها، وأن كل ترسانات أسلحتها التي اشترتها من الدول الغربية وحرمت أثمانها أن تصل إلى عقول وأفواه ومساكن مواطنيها؛ لم تنفع الأنظمة النخرة من أن تنهار تحت تحديق العيون الغاضبة، وأن هذه الغطرسة العربية، والحواجب المعقودة، والشوارب الملويّة، ونظرة الاشمئزاز التي يوجهها سدنة الأنظمة إلى شعوبهم، هي أسديّة علينا فقط، بينما تنقلب إلى ملامح أرنبية عندما تيمم هذه السلطات وجهها ناحية الشرق. لذا نجد مفكراً مثل المغربي يحيى اليحياوي يقول إن “الدولة العربية المستقلة”، لم تخفق فقط في بناء دولة رحيمة بشعوبها، بل أفلحت في تحويلها إلى أداة في التسلط، طال مداها الأفراد والجماعات، الأحزاب والنقابات، النخب والجماهير سواء بسواء. لم تكتف باحتلالها المباشر لشعوبها، ثروة وحقا في التعبير، بل ولم تخجل في استدعاء المحتل السابق للذود عنها، والدفاع عن حرمتها، والاصطفاف معها لمحاربة شعوب لا مطلب لها معقد، اللهم إلا حقها في الكرامة، وبعض من خيرات وثروات بلدانها”[2].
إن مدة أقل من جيل، أي في عشرين عاماً، انتقلت بلد مثل ماليزيا من كونها بلداً فقيراً متخلفاً زراعياً إلى بلد متقدم بفعل الكثير من الخطوات، والكثير من الإصرار، والكثير من طول النفس، وإشراك الجميع في الحوار من أجل الوطن، وتحديد رؤية، والتوافق عليها، والمضي بكل عزم، ومن دون الالتفات إلى المعيقات، فالهدف الأسمى لوضع ماليزيا على الخريطة، كان واضحاً للجميع، برّاقاً وواعداً، وبالتالي لم تتراجع عنه الدولة أو تنحرف في الأزمة المالية الآسيوية في 1997، على الرغم من إغراءات صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، وحثهما ماليزيا لكي تتبع نصائحهما، إلا أنها اعتمدت على أهليها من الخبراء والمتخصصين، وصنعت قارب نجاتها بنفسها، وأبحرت لتواصل السعي نحو الهدف.
لقد كتب مهاتير محمد، قائد نهضة ماليزيا، عن أهله المسلمين قائلاً إنهم كسالى، وتحداهم لأن يثبتوا العكس، ففعلوا، وقيل عنه إنه دكتاتوري ومتعجرف، بل وقيل عنه إنه فاسد، ولكنه واصل طريقه، ووضع عجلات بلاده على السكة، وغادر السلطة وهي في حال مختلف وليس متخلفاً.
أعتقد أن الأمة العربية قد تقبل بزعيم متعجرف يقودها إلى النهوض والتقدم، فقد قبلت سابقاً زعماء قادوها إلى الدمار والتهلكة. وتقبل الأمة أن يستفيد متنفذ أو زعيم أو مسؤول “بعض الشيء” من منصبه، لا أن يستفيد بحرمان المواطنين من حقوقهم، ويأكل المال أكلاً لمّا ويزيد سنوات أخرى في تخلفهم.
إن قصة ماليزيا، كقصة الصين، كقصة سنغافورة، ككثير من القصص التي تبدأ من أمة، يخرج من رحمها قائد ملهم ذو بصيرة، يبصّرها يدلّها على الطريق، يلهب فيها الحماسة، يتلمس الناس إيجابيات خيارهم، فيصبحون أكثر تشوقاً لأن يكونوا “قوّة”...ألم يطل بالعرب الانتظار؟!

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية