عندما بحثت مساء الثلاثاء عن أصل قصة وضع مملكة البحرين، ممثلة بسفيرها في باريس الدكتور ناصر البلوشي، إكليلاً من الورد على النصب التذكاري المخصص لضحايا المحرقة اليهودية بضاحية درانسي قرب باريس، يوم الاثنين (9 ديسمبر)، وجدت أكثر من سبعين موقعاً قد نشر هذا الخبر، بصيغة تكاد تتشابه، مفادها “أول دبلوماسي مسلم يزور النصب التذكاري لضحايا المحرقة اليهودية”.. وبعد ذلك ضاع العدّ. هذا في الجانب العربي من الأخبار والمواقع، فما بالنا باللغات الأخرى... لقد اشتهرنا!.
بحسب التنشئة التي مضت عليها الأجيال العربية وربما الإسلامية أيضاً، وحتى وقت قريب، فإن هذه الزيارة محل استنكار شديد من قبل الناشطين، سواء في البحرين أو خارجها، أولئك الذين يحملون معهم القضية المركزية لهذه الأمة، الذين تلفحهم رياح السموم وقد انكشف عنهم الغطاء العربي، وانسلّت الدول والأنظمة الواحدة بعد الأخرى بحياء في بادئ الأمر، زحفا زحفا، ثم حبواً حبواً نحو “إسرائيل”، فمشياً مشياً، واستبدلت الهرولة في اتجاه تل أبيب إلى الجري السريع، ليكتشف القائمون على الحق أنهم إنما خُدعوا طيلة هذه السنوات، وأن المباحثات السرية تجرى، والمعاهدات الكلية والجزئية تُبرم، وصارت “مقاطعة إسرائيل” لافتات صدئة يعلوها الغبار، ومع ذلك فلا يزالون مؤمنين إيماناً شديد الكلاسيكية بالمبادئ من جهة، وبالتكتيكات المتمثلة في رفض الكيان الصهيوني المحتل رفضاً قاطعاً، ورفض كل ما يقرّب إليه من قول أو عمل. ولم يفت المعارضة البحرينية أن تندد بهذه الزيارة أيضاً، بينما لاذ الجميع بالصمت حتى مساء الثلاثاء (ساعة كتابة هذا المقال) بمن فيهم وزارة الخارجية البحرينية نفسها، لتفسر للشعب البحريني الأسباب والمسببات التي أدت إلى القيام بهذه الزيارة التي رتب لها وباركها كاتب يهودي وإمام مسجد. حسن، سنعتبر أن خارجيتنا لا تريد أن تبيّن ما جرى، ولا أن تبرر ما تمّ، وبالتالي، يمكنني أخذ مكانها اتّباعاً لمقولة “إن لم تصنع بنفسك صورتك، فإن آخرين سيقومون بذلك”.
الهولوكوست، هذه الكلمة التي غدت مصطلحاً، كلمة آتية من اليونانية القديمة، وتعني “الحرق الكامل للقرابين المقدمة لخالق الكون”، وهي غدت لاصقة بمحرقة اليهود الأوروبيين على أيدي النازية في ألمانيا، إذ يقدّر المتحمسون لهذه الرواية أنه تم إحراق ما بين خمسة ملايين وسبعة ملايين يهودي في معسكرات الاعتقال في أفران غاز أقيمت لليهود، انتقاماً منهم لما فعلوه في ألمانيا في الحرب العالمية الأولى، التي كان يطلق عليهم حينها “الحرب الكونية”. يا لها من وحشية حقيقية.
لقد حفظ التاريخ لنا مواقف وقصصا عديدة فيها ما فيها من الحروب والمواجهات والأوقات غير السعيدة بين المسلمين واليهود، ولكننا أيضاَ نتّبع قول الحق “ولا تزر وازرة وزر أخرى” التي وردت في خمس سور قرآنية، فلا يمكن أن يؤخذ الجار بحق الجار، كما لا يمكن أن يُحكم على جميع اليهود بأنهم سواء. فلقد عاش اليهود في البحرين - على قلة عددهم – معززين مكرمين، وأصابوا غنى من التجارة، ونالوا المناصب الرفيعة. وحتى عندما أصدرت الحكومة قراراً يسمح لمن أراد من اليهود أن يذهب إلى فلسطين المحتلة، على شرط ألا يعود، فإن أحدهم قد ذهب وجرب الحياة هناك وعاد راجياً ملتمساً أن يعيش في البحرين سُمح له بذلك استثناءً. فالمشكلة الأساسية ليست مع الديانات، ولكن مع مناهج بعض معتنقي هذه الديانات، من الإقصائيين والقائمين على التصفية والقتل والاستحواذ والسرقة والتهجير.
إن الذين قضوا في الهولوكوست بالطرق الوحشية بحسب ما تقوله الروايات، وإن كانوا يهوداً فهم بشر، سيقوا من الجنسين، ومن مختلف الأعمار إلى حتفهم من دون ذنب اقترفوه إلى معسكرات اعتقال جماعية، نُهبت تجارتهم، جُرِّدوا من بيوتهم، أجريت عليهم التجارب في المختبرات النازية، ووضعوا في أفران الغاز، هكذا يقولون. ليس المهم أن يكونوا مليوناً أو حتى سبعة ملايين، فمقتل إنسان واحد بشكل عمدي ومن دون ذنب أمر مؤلم، فما بالنا بعشرات الآلاف ومئاتها وبالملايين أيضاً، وما ذنبهم صغاراً وكباراً إلا أنهم من اليهود وحسب.
وفي كل الأحوال لا نريد أن نبحث طويلاً في مسألة الهولوكوست نفسها الآن، لأنها مسألة فيها نظر، لأن هناك كتاباً ومفكرين كباراً، ومن بينهم من الديانة اليهودية، من قلل من شأن ما حدث، بعضهم أشار إلى المبالغة في الأرقام من أجل استدرار عطف الدول لإقامة وطن قومي لليهود، ومنهم من أنكر وجود هذه الأفران وهذه المجازر الرهيبة، ومن بينهم المؤرخ الفرنسي بول راسنير، الذي كان نفسه معتقلاً في المعتقلات الألمانية. والحمد لله أن القانون هنا يبيح الحديث بحرية عن الهولوكوست ولا تتم مطاردة وسجن من ينكر وقوع المحرقة كما هو في معظم الدول الغربية، بما فيها فرنسا، معقل الحريات.
إلا أنني سمعت السفير البلوشي، عندما اعتدل من انحناءته بعد أن وضع إكليل الزهور، وزار العربة المشهورة الرامزة لتهجير اليهود؛ قال لمن كان برفقته “والآن، كما اتفقنا، سنذهب إلى فلسطين المحتلة، لأريكم ما فعل الناعقون بالمظلومية، وأعدد لكم كم من المفتايح التي تفوح منها رائحة زيت الزيتون الفلسطيني، ولا تزال في أيدي الأجيال التي تنتظر العودة بعد أن جرى تهجيرهم. لتضعوا بأنفسكم أكاليل الزهور على قبور ضحايا محارق قنابل النابالم التي ألقاها الصهاينة عشوائياً على الفدائيين والمدنيين من أهالينا.. سأرشدكم إلى الأراضي الزراعية التي جرّفتها آليات المحتل لتفقر أهالينا هناك، وسأرسم وإياكم نافذة على جدار الفصل العنصري، لعل الشمس تشرق منها ذات يوم، سنزور المخيمات في الدول المجاورة لفلسطين حيث لا فرق بينها وبين معسكرات الاعتقال النازية”.
كأنني سمعته.