لا أزال أعيش لحظة الاستغراب التي انتابتني حيال ردود الأفعال التي رأيتها وسمعتها وقرأتها، إزاء التقارب الإيراني الأميركي-الأوروبي، الذي يبدو أنه نزع فتيل الأزمة العالقة منذ سنوات بين الأطراف المعنية، وبين منطقة الخليج العربي أيضاً في ضفتيه. الشكل الرسمي في الردود الدبلوماسية خليجياً (بالأحرى “تعاونياً”) يشير إلى ترحيب وارتياح دول مجلس التعاون لهذا التقارب الذي أسفر عما يشبه تعهد إيران بفتح منشآتها النووية أمام المفتشين الغربيين في مقابل الكثير من المزايا التي ستحصل عليها من هذا الاتفاق، وعلى أكثر من صعيد. قبل أن ألج إلى الموضوع، لابد من التعبير هنا عن احترام “التكتيك” الإيراني، وإن تراوحت ردود الأفعال تجاه السياسة الإيرانية. فإيران “صمدت” تجاه أكثر المواقف حرجاً في علاقتها بالدول الأوروبية القوية والولايات المتحدة، إذ جرى التلويح غير مرة بأكثر من سيناريو للمفاعلات النووية الإيرانية، وإنهاء هذه القضية برمتها بطريقة الكاوبوي. ولكن إيران استفادت من هذه المدة على أكثر من صعيد، إذ طورت معارفها بكيفية الدخول في العالم النووي، وصارت قادرة فعلاً على إنتاج سلاح نووي إن أرادت، وبالتأكيد كونت فريقاً وطنياً من الخبراء في هذه الفترة، وبالتأكيد لو أنها ارتعدت فرائصها منذ أول إشارة، لما نالت إلا الاحتقار من قبل القوى العظمى إذ سترى فيها أسداً من ورق. فلابد أن إيران اليوم تملك الخيارات المتعددة في أيِّ النجدين تريد السير: في نجد التصنيع النووي والتسلح، وضرب قرارات المنظمات العالمية عرض الحائط وطوله؛ أو نجد التصنيع السلمي للطاقة النووية بما يفتح لها آفاقاً لا حدّ لها، وتعدادها ستضيق بها هذه المساحة. إذ ان التحليلات الغربية تقول إن التزام إيران بالاتفاق الذي تم التوصل إليه، هو أصعب من إبرام الاتفاق نفسه. فلا عجب إن رأينا التراشق الإعلامي قد عاد مجدداً بين إيران وخصومها الغربيين، بتهم خرق الاتفاق والتحامل، وغيرها لتعود اللعبة إلى المربع الأول، إذ يقدر هؤلاء المحللون أن “شبهة” كسب الوقت لها نصيب من هذا الاتفاق أيضاً. إلا أن ما يثير الاستغراب والحيرة، هو هذا الاستغراب، وهذه الحيرة التي كست غير الواقعيين سياسياً من الأنفار العاديين، والأدهى من ذلك أن يصطف معهم كتاب وصحافيون في عجبهم ودهشتهم وشللهم الفكري: كيف أبرمت إيران والغرب اتفاقاً؟ وكيف تراجعت الولايات المتحدة عن قرار الحرب، لا بل حولته إلى اتفاق يدافع عنه الرئيس الأميركي أوباما أمام منتقديه في دوائر صنع القرار في البيت الأبيض، وكذلك أمام خصومه من الجمهوريين في الكونجرس؟.
الأعين تدور في محاجرها، والقلوب قد بلغت الحناجر، قائل يقول “سووها فينا أميركا”، وهناك من يتساءل عن المستقبل بعد هذه “الصفعة” التي تم توجيهها إلى دول مجلس التعاون بشعوبها، وتتالت التحليلات الشعبية جداً، والتي لا تعدو “طق حنك” سياسيا في شأن هو أوضح للرائي من الشمس في رابعة النهار. فالولايات المتحدة لا تقدم على الحرب بهذا التكتيك، إذ انها إن أرادت الحرب فما عليها إلا أن تعلن عن نيتها، تجمع حولها حلفاءها التقليديين والجدد، تلقي خطبة غير عصماء على مجلس الأمن بعد أن تري الخصوم بعضاً من موجبات العين الحمراء حتى لا يعترضوا على قرارها، و... تباشر بالهجوم. هكذا عملت مع أفغانستان، هكذا فعلت مع العراق، وليست إيران – وإن جعجعت واستعرضت صواريخها – بأفضل حال من بلدان أخرى لو شاءت الولايات المتحدة أن تقدم على خطوة كهذه.
أما هذه الوسوسة، فبدلاً من عض أصابع الندم، والشعور بالخديعة والطعن في الظهر، فكان لابد من تحويله إلى تساؤلات أكثر إيجابية. إذ يعلم أقل الناس شأنا في السياسة ودهاليزها أن لا مكان للعواطف في السياسة، وأن الدبلوماسية لها الكثير من الأوجه التي لا تعرف إلا حساب المصالح الوطنية، فمتى ما مالت شعرة الميزان، بعد حسابات الكسور إلى اتجاه معين، تغيرت السياسة. ونبقى نحن نطنطن على “العلاقات الوطيدة”، و”توطيد العلاقات القائمة بين البلدين”، ونلجأ إلى الجذور والامتدادات التاريخية، ونطمئن أن ما لم يحصل في الماضي، فلا يمكن أن يحصل في الآتي، وهذا لعمري لهو الخسران المبين، في التفكير وفي التعاطي. فكما أن الولايات المتحدة، والدول الغربية وغيرها من الدول، تضع لكل وضع عدة احتمالات، وتبني مع كل احتمال خططاً بديلة، ورد فعل معين، خصوصا إن كانت هي ليست اللاعب الرئيسي في القضية إنما متأثر به، فلابد أن تكون دول مجلس التعاون قد فعلت الشيء نفسه، إذ لابد أنها وضعت سيناريو في حال الحرب لو وقعت، أين ستقف، وماذا سيكون موقفها المعلن، وموقفها السري، فهذه أمور لا تتعلق بالمروءة بأن يكون باطن الإنسان كظاهره، وإنما هي لعبة تدار، ولابد من إدارتها بشروطها، وبأعلى درجات الإتقان. كما أن دول المجلس لابد ان وضعت الخطط، والخطط البديلة في حال استمر الوضع المتوتر على ما هو عليه. إضافة إلى توقعات أن تنجح مفاوضات إيران مع (5 + 1)، وهذا احتمال وارد وإن كان بعيد التحقق في فترة ما، ولكنه ها هو قد حثّ الخطى وتحقق، فلا عذر لمن يقول إنه “فوجئ”، لأن هذا يعني أنه كان لاهٍ في غفلة من أمره، وهذا لا يجوز في علوم السياسة والتخطيط. ولابد أن الوفود الخليجية الرائحة والغادية، والمواكب التي تنهب الشوارع نهباً، إنما تستعجل لتلتقي على أمور في غاية الحساسية، كالموضوع الإيراني الأخير. وإلى جانب المواقف الجماعية، فلابد أن الدول بشكل منفرد، قد أنهت منذ فترة من الزمن وضع جميع الاحتمالات في القضايا الساخنة على طاولة النقاش، وأدارت الحوار فيه مرات ومرات، وتوصلت إلى قناعة في الكيفية التي ستتعاطى بها مع كل حالة على حدة.. لابد.. وإلا، فهذا هو الخسران المبين.