إنها تمام العاشرة، تمام السنة العاشرة، على صدور تقارير ديوان الرقابة المالية والإدارية، واكتمال العقد الأول من الأفواه الفاغرة لحجم المخالفات المالية، والتي أضيفت إليها حديثاً الإدارية التي ترتكب في المؤسسات الرسمية للمملكة، والتي لو عُدّت منذ أول تقرير إلى اليوم لفاقت المليار دينار، هذا ونحن نتحدث عن عصر الشفافية، ونشير إلى أن هناك من سيحاول “ضبط نفسه” لكي لا تغرّد به التقارير ذات اللون الأزرق الداكن التي هي الأغلفة السنوية لهذا الحدث، فما بالنا عندما لم تكن هناك تقارير، ولم تكن هناك شفافية، ولا أحد يسأل عن المال العام، ولم يكن هناك مجلسان للنواب والشورى، ولم تكن عمليات تدقيق تجرى على أعمال الوزارات والمؤسسات والهيئات، فكم مليارا ذهبت هباء، وتسربت من أبواب لا يعلمها إلا الله.
لقد ساد في السنوات الأخيرة، ومع صدور كل تقرير، قول بات بحرينياً بامتياز مفاده “هناك فساد بلا مفسدين”، والمعنى الظاهر والواضح من هذا القول أن الفساد جرى رصده، وتعيينه، وغالباً ما تفشل الوزارات والمؤسسات والهيئات الرسمية في ردودها في تبرير ما جرى من مخالفات طوال الفترة التي فصلت بين تقريرين، لأنها – بشكل أو بآخر قد خالفت أنظمتها ولوائحها، والأنظمة واللوائح المنظمة لأعمال هذه المؤسسات، وها هي الملايين إثر الملايين ترشح من خزينة الدولة التي تطالب الدعم المادي، والمارشالات المنقذة، ومع هذا، ولصغر حجم الكعكة الاقتصادية والمالية في البلاد، فإن كل دينار لابد أن يذهب إلى مكانه الصحيح، وبالشكل الصحيح، لا أن يجري التلاعب به، فلا الوقت في صالحنا ولا ما تبقى من أموال... ومع هذا كله، لم يجر تقديم “مفسد” واحد للعدالة طيلة هذه السنوات، فكل المخالفات يتم تقييدها علناً ضد مجهول، بين الفاعل ضمائر مصمتة تقديرها هم وهؤلاء، وأنت وأنتم، فتمر السنون وتمضي السنون والمفسدون مقيمون بأعماقنا، يرتعون من خيرات البلد الشحيحة، ويلتقطون ماء الوجه لدى القريب والغريب حتى يجري دعم موازناتنا بدراهم قليلة من هنا وهناك، ليتم بعد ذلك بعثرتها، وإعادة الكرة من جديد.
في العام الماضي، وفي المناسبة ذاتها، كتبت هنا بأن صدور تقرير ديوان الرقابة المالية بات واحداً من محطاتنا السنوية، مناسبة تضاف إلى الأعياد الدينية والقومية والمناسبات (ويا للأسف) غير السعيدة، وكأننا على موعد سنوي مع الحسرة وضرب الأكف بالأكف حسرة على ما جرى تضييعه، وما سيجري أيضاً، فجميعنا مكبّلون لا نقوى على صنع شيء، والقادرون على تحريك الملفات (بحسب علمنا القليل والناقص) وهم أعضاء مجلس النواب، يتوعدون، ويرعدون ويزبدون، ويبالغون في التهديد، ولكننا لم نر تحريكاً لقضية واحدة من القضايا الكثيرة التي عجّت بها هذه التقارير لعشر دورات متتالية. ولا يمكننا اليوم أن نجد عذراً للنواب، لأنهم كانوا منشغلين في السنة الأولى بترتيب البيت الداخلي، وفي الثانية كان الانشغال بالحرب على العراق، وفي الثالثة كانت الفلوجة محور الصراع، وفي الرابعة نانسي عجرم، وفي الخامسة والسادسة والسابعة... وفي كل مرة نجد الانشغالات تتبدل وتتغير، والمعارك تتداخل وتتشابك وتتشعب، وأنفسنا تتشبع من كل هذا الذي يجري، والجعجعة عالية، والطحين لا أثر له.. وليتهم أيضاً يجعجعون، بل هي لا تعدو انتباهة عابرة، تصريحات فاترة، يتمسك خلالها المخالفون (لن أقول إنهم مفسدون) برباطة جأشهم، يواصلون ابتسامتهم الواثقة العريضة لعلمهم بأن قافلة المخالفات ستواصل سيرها المعتاد، وأنها ليست إلا فترة عصيبة وستمرّ حتماً دونما حساب، وأن ذاكرة الناس قصيرة ومخرّمة، لن تستمر في التذكر لما يجري، وأن هناك من القضايا المحلية أو الإقليمية أو العالمية لابد وأن تأتي لتغطي على ما يجيء في التقرير، وتتراجع أهمية ما جرى فيه إلى المقاعد الخلفية، حتى تضمحل القصة خلال أيام معدودات، وتعود آلات المخالفات (التي لم تتوقف أساساً) للهدير، وتكرّ السبحة مجدداً!.
في بعض الدراسات النفسية الحديثة، يقال إن الخطر الذي يخشى على النشء من مشاهدة برامج العنف بشكل مجاني ومستمر، هو انطماس إحساسهم وتراجعه إزاء مشاهد القتل والدماء وتقطيع الأوصال وجميع أشكال العنف، حتى لا تعود النفس تأنف منه، ويغدو أمراً طبيعياً، إنها تهيئة وتدجين للناشئة على أن يتعاملوا مع الجرائم على أنها من الأمور الطبيعية والمعتادة، وليس بالشيء الكبير العظيم الذي تقشعر منه الأبدان. وهكذا الأمر بالنسبة لجميع القضايا، منها على سبيل المثال “المساكنة” خارج الزواج، وتقبل المثليين جنسياً، والسرقات، وفي المقابل أيضاً، القيم والأخلاق والوطنية، وإن كانت هذه الأخيرة “ثقيلة دم” بالنسبة للبراعة التي تقدم بها الأمور الخارجة عن القانون. سيكون صعباً على النفس أن تشبّه هذا بذاك، ولكن من المعلوم أن ديوان الرقابة المالية والإدارية لا ينشر التقارير علناً، ولكنها تصل إلى الصحافة من طرائق شتى، ويجري نشرها على صفحات، وفي ملاحق خاصة، احتفاء بـ “خيبتنا الوطنية”، وعلى مدى عشر سنوات كاملة، أعتقد أن شيئا من البلاهة واللامبالاة قد أصابنا، منذ التقرير الأول إلى اليوم، لو نتذكر ردود أفعالنا آنذاك، لو نتذكر حماستنا، لو نستعيد غضبنا وإحباطاتنا، لو نتذكر آمالنا بعد نشر التقرير الأول، والثاني، فالثالث، وفي كل مرة تتراجع الحماسة والآمال، وتنكفئ رغباتنا في أن نرى بعضاً من العدالة على الأرض فننتظرها من السماء، حتى لم نعد نطلب شيئاً، نقلب الأوراق، نمط شفاهنا، ونمضي في حال سبيلنا، وكأن النشر في هذا الموضوع ما عاد له معنى أو تأثير، وعمره ليس أطول من عمر عدد الصحيفة في ذلك اليوم.
تمام العاشرة في مملكة البحرين.. حان وقت النوم.