العدد 1871
الخميس 28 نوفمبر 2013
من قال إن “الاستقرار” فضيلة؟! غسان الشهابي
غسان الشهابي
ذرائع
الخميس 28 نوفمبر 2013

بعد سنين من تخرجي من المدرسة، التقيت صدفة بأحد معلميّ الأجلاء لمادة الفيزياء، وكنت قد سمعت أنه متوعك صحياً. فرحت كثيراً لرؤيته في الشارع فسألته بعفوية “كيف حالك أستاذي؟ أتمنى أن يكون وضعك مستقراً؟”، وكنت بذلك أنتظر أن أطمئن إلى استقرار وضعه، ولكنه استلف قاعدة من قواعد الفيزياء ليرد عليّ ببدهية “لا يستقر الجسم المتحرك حتى يصل إلى قاع الإناء”! ابتسم وغمز لي بعينه في إشارة إلى أن الاستقرار ليس دائماً من الفضائل، بل يكون علامة على الموت أو الشلل أو عدم القدرة عن التحرك، ووجوده في قاع الإناء له الكثير من الدلالات ذات المغازي التي لا تخطأ.
هكذا يتحدث الناس عادة عندما يسألون عن الأحوال ويتمنون أن لا يغيّر الله علينا، بتفكير يشير إلى أننا وصلنا إلى غاية المنى والسعادة وأننا نتمنى أن “نستقر” عند هذه النقطة ولا نتحول عنها. ولكننا دائماً ما نناقض أنفسنا إذ نتحول من الموقف إلى نقيضه، ونعود إلى الموقف الأول بتبادلية تدل على أننا لا نتمتع بالفكر الناقد، بل بالانطباعات العاطفية لمجمل حياتنا وما نعايشه.
ففي الآونة الأخيرة، ومع كثرة الإجازات القصيرة، استثمر عدد لا بأس به من الناس الأيام القلائل فقاموا بزيارات قصيرة إلى الدول المجاورة. واحدة من التعليقات التي أدلت بها صديقة استوقفتني، مع أنني سمعتها منها من قبل، ومن غيرها، ولكنها اليوم في تزايد كبير. إذ قالت: كلما زرت دولة خليجية، عدت ملأى بالحزن، وبشيء غير قليل من الغضب، جراء المفارقات الكبيرة التي هي بيننا وبين دول الجوار، لا من حيث الحيوية، ولا من حيث التطورات التي لا تهدأ، ولا من حيث القدرة العالية على استقطاب الأحداث العالمية، ودسّ أنوفها في المنافسات على المعارض والمسابقات والأحداث الكبرى التي لا تقوى عليها إلا تلك الدول ذات التاريخ التليد، والعراقة في هذه الاستقطابات، وبالتالي، ما تعكسه هذه التنافسية على مجمل التطورات والأوضاع في البلد نفسه. صحيح أن ليس هناك تطور من دون تضحيات، ولكن في كل الأحوال، فإن التقدم أفضل من “الاستقرار”، لأن الاستقرار في وسط ديناميكي متحرك يعني التأخر، فلا أحد سينتظر ولا ينظر إلى الواقف بعين الشفقة، فمن يلتفت إلى الوراء سيداس بالأقدام في هذا السباق المحموم على إيجاد المكانة المتقدمة بين الأمم، والمحافظة عليها مع التطلع إلى ما هو أفضل في كل مرة، ومن هنا يأتي ما نشهده جلياً في دول المنطقة.
يكفي – على سبيل المثال - تتبع ما تقوم به جميع دول المنطقة – من دون استثناء – من استثمارات بالغة الضخامة لتشييد مطارات أضخم من مطاراتها الضخمة حالياً، التي يتقازم مطارنا – بكل المقاييس – أمامها، بعد أن كان هذا المطار “أعجوبة” السبعينات من القرن الماضي، بتصميمه العصري، ومرافقه التي كانت أكثر انفتاحاً آنذاك، فأين أصبح مطارنا اليوم من المطارات المنافسة؟ نعم، نعلم أنها الاستثمارات الضخمة التي لا قبل لنا بها، ونعلم أنها المساحة الجغرافية التي طالما ظلمتنا، ونعلم أنه لولا التدافع لشيّد الناس بيوتهم على طرفي مدارج المطار، على الرغم من التحذيرات الأمنية والصحية المتزايدة بكل مكان في العالم عن السكن بالقرب من المطارات لما لها من مخاطر جمّة، ومع ذلك، فإنه من المؤسف أن يمرّ الفرد منا عائداً إلى وطنه من مطارات قريبة كانت بالأمس القريب فقط متخلفة قياساً بمطارنا، فصرنا اليوم نبتسم بسخرية كلما رأينا السجاد نفسه الذي لم يتغيّر منذ سنين متطاولة، والسقف الخشبي (ربما من الألمنيوم... لا يهم) بمربعاته ذاتها، وبعلوّه المنخفض جداً، والممر ذاته ذا الإضاءة المنخفضة مساءً حتى الوصول إلى منفذ الجوازات. حتى الأخطاء اللغوية ذاتها موجودة على اللوحات الإرشادية عند الجوازات، فواحدة كتب عليها “مواطنو دول مجلس التعاون”، والأخرى كتب عليها “مواطني دول مجلس التعاون”، وعندما صورتها ذات يوم تحلق حولي أربعة رجال رسميين (لا أذكر إن كانوا من الجوازات أم من الجمارك) يطالبونني بـ “الفيلم”، مع أنني صورت بالهاتف، بحجة أنه ممنوع التصوير.. حركة أخرى “عتيقة” لا تقل عن عتق المنشأة نفسها!.
قد يستعير أحدٌ مقولة رئيس مجلس النواب في رده قبل فترة على مداخلة النائب عيسى الكوهجي الذي تحدث عن الوضع الاقتصادي في البحرين، ووضعية الشركات والاستثمارات التي لا تلقى الترحيب، إذ قال له انه هناك “مقولة” معناها “إذا بليتم فاستتروا”، ولكن الثورة الاتصالية اليوم لا تدع للستر مكاناً، ولا للسر ملجأ، والمستثمر لن ينتظر أن نهلل في صحفنا ومحطاتنا الرسمية المسموعة منها والمرئية، ولا تدبيج الصفحات تلو الصفحات على مواقع الإنترنت بأننا “أفضل من سعت به قدم”، لأن من سينقل عشرات الملايين سيلجأ أولاً إلى مراكز الأبحاث المعتبرة، وليست المأجورة التي تكتب لبعض الدول بقدر ما يُدفع لها، سيطلع على ما يقوله البنك الدولي، وفي أي تصنيف للبلدان نقع، وعلى أية درجة نحن من مؤشر الشفافية، وما مقدار الحرية الاقتصادية، والحريات العامة، وما مستوى بنيتنا التحتية وتقدمها ومن بينها الاتصالات، وما هو الوضع الأمني العام، وهل يأمن على أمواله داخلة وخارجة من البلاد أم لا، وكيف تنظر إلينا دولته، والكثير من الأمور الأخرى التي يمكنها أن تقنعه للمجيء. والأهم بكثير من المستثمر الخارجي أو الأجنبي، لابد أن تكون “مغانيط” (محاولة لجمع مغناطيس) الحياة الرغدة قارّة في أنفس أهل البلاد ليكونوا “الروح الأساسية” الإيجابية فوق “البنية الأساسية”. صحيح أننا حققنا أموراً طيبة في ما تقدم من معايير، ولكننا لا نزال في حاجة إلى المزيد والمزيد، أو كأننا راكبو دراجة، ليس لنا أن نتوقف أو “نستقر” وإلا سنقع، فما علينا إلا الضغط – وبشدة – على الدوّاسات، لأن الدول ليست في نزهة مع الزمن.. بل في سباق لا يهدأ.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية