إذا كان الناس في الماضي يسلّمون بالموت على أنه الحقيقة الوحيدة، والنهاية الحتمية لكل حيّ، وأن الأمر ما هو إلا توقيت الرحيل وليس في حدوثه من عدمه؛ فإن البشرية طوّرت مفاهيمها الخاصة بهذه النهاية. إذ صارت تهتم لأن يأخذ الإنسان دوره الطبيعي كاملاً، وأن يعيش حياة طويلة بعض الشيء، يتمّ فيها أدواره الخاصة، ويتدرج تدرجاً طبيعياً واضحاً في مراحل العمر المختلفة. باتت البشرية تهتم أن يعيش الإنسان زمناً أطول، وهذا يعتبر إنجازاً بالنسبة للدول عندما يطول متوسط عمر الفرد فيها. بل وذهبت إلى أكثر من ذلك، إلى الكيفية التي يطول فيها عمر الفرد، وهل يعيش مدة أطول من السعادة والهناء والصحة والعافية، أم أنه عمر يطول من الشقاء والعذاب والأمراض والسأم من تواتر الأيام أمسها مثل يومها، ويومها مثل غدها، أو كما قال زهير بن أبي سلمى عندما قرع الثمانين:
سئمت تكاليف الحياة ومن يعش ثمانين حولاً لا أبا لك يسأم.
فاليوم يجد الكثير من البشر أن الحياة أبهى وأزهى وأقصر من أن تٌقضى في ثمانين حولاً وحسب، وما هذه المعامل والأطباء والأدوية إلا محاولات مستميتة من أجل المدّ في الأعمار، وما الاكتشافات والاستنساخ إلا جانباً من أحلام الخلود التي تراود البشر.
لذا، فإننا اليوم أكثر حساسية، وأكثر تفجّعاً لفقدان أطفال سواء عن طريق الأمراض التي قد تهجم عليهم، أم بالطرق المأساوية التي يرحلون بها عنا. فما كدنا نكفكف الدموع برحيل فاطمة، حتى رزئنا برحيل الطفل راشد، هذان الطفلان وغيرهما العشرات من الأطفال الذين فقدناهم على مدى السنوات كانت لهم كل الحقوق للعيش بسلام، وأن ينعموا بكل الصداقات والمحبة، وأن يحلموا حتى وإن كانت أحلاماً صغيرة، وأن يشقوا طريقهم في الحياة كما يختارون، وأن ينجزوا بعضاً مما يتمنون. فكل نفس بشرية هي مشروع محتمل لأن تكون متميزة في مجالها. ألم نحفظ عن ظهر قلب سير أناس عظماء ومميزين كانوا في طفولتهم مشاريع يائسة من قبل المجتمع، وبعضهم كان على شفير الموت، وبعضهم كان سيقع ضحية الإهمال واللامبالاة، ولكن في زاوية ما من حياتهم، وبمساعدات مختلفة، وبانقداح شرارة في الذهان، أو سطوع بروق في النفس، استطاعوا الارتقاء بأحلامهم ومخيلتهم حتى بزّوا من سواهم، وسجلوا أسماءهم في سجلات الخالدين؟! فلا يمكن لأحد – بعدما تشبع التاريخ من هذه القصص – أن يسخر وأن يستخفّ بأية حياة، فلا يدري أحد ما الذي يمكن أن تفعله في الغد.
إن تجاوز هذا الأمر لا يأتي بالزعيق والعويل والعيون الحمراء والخطب الرنانة والمتاجرة السياسية الرخيصة بآلام الناس، ولا بالقرارات “الردّ فعلية”، لأنه يقوم على عمودين أساسيين وهما: القوانين والإجراءات والرقابة من جهة، وتغيير الطبائع من جهة أخرى.
صحيح أن مملكة البحرين انضمت إلى اتفاق حقوق الطفل المؤلف من 54 مادة منذ إطلاقه في العام 1989، إلا أنه من الأصح في كل الأحوال، وحتى لو لم تنضم البحرين إلى القافلة الدولية في هذا المجال، أن تسنّ القوانين في الممارسات اليومية بما يكفل أن تنشأ مؤسسة تعنى بالحدَّين المفترقين في المجتمع (الأطفال والشيوخ) إلا بشروط بالغة الصرامة، لأن الطرفين لديهما من نقاط العجز ما يمكن أن يحول بينهما وبين الحصول على الرعاية اللازمة لمن هم في مثل أوضاعهم، قد ينشأ هذا من “الخرف” وعدم القدرة الجسمانية لدى الكبار، أو من عدم القدرة على التعبير والضعف لعدم اكتمال النمو لدى الصغار وعدم تقدير الموقف حق التقدير، وبالتالي، فإن من تسند له أمور القيام على هذه المهمات التي لا تحتمل الغفلة أو السهو والنسيان، يجب أن يكون على دراية كاملة بمسؤوليته الأخلاقية والقانونية، ويكون الجهاز المحاسبي الذي يليه جهازا أعمى كالمرأة الممسكة بميزان القانون، حتى لا تتأثر بالأهواء، ولا تتجاذبها الانتماءات، ولا تتحمل وزر التسييس، ولا تراودها شكوك الطائفية، ولا ترى الكتابات التي تريد أن تثقل إحدى الكفتين من أجل مكاسب الصراعات التي لا تريد أن تنتهي، وذلك ليطمئن الجميع، أيّاً كانوا، إلى أنهم في وسطٍ من انضباط المؤسسات، وجودة أعمالها، تحت مظلات من الرقابة المستمرة، وإن حدث هناك خطأ في التطبيق، لأيٍّ من الأسباب المأخوذة في الحسبان، فإن علاج الخطأ سيكون كافياً وكافلاً للحقوق ومقلصاً في المستقبل من إمكانية حدوثه إلى الدرجات الدنيا، مع عدم النسيان والعودة تدريجياً إلى بواعث حصول الخطأ وكأننا في كل مرة نبدأ من جديد.
إن الحادثتين الأخيرتين – وقبلهما العشرات من الحوادث العالقة في الذاكرة، والبالغة الإيلام – تحملان عنواناً عريضاً واحداً هو “الإهمال”، وربما أتت إلى جانبه عناوين فرعية أخرى مثل التساهل والاستهتار والرعونة واللامبالاة، وقد تكون منسلة من نقص الخبرة، وعدم اتباع منهجيات محددة في جودة الأعمال التي تؤدّى، وغيرها من العناوين العريضة والصغيرة، والتي تقود – منفردة أو مجتمعة – إلى حدوث الكوارث، سواء على المستوى المحلي أو المستوى العام. ومن خلال المعايشات التي لا شك أن الجميع تعرّض لها، أو مارسها من دون أن يدري، أو يدري ولكن لا يقوى على تغييرها أو لا يريد لعدم وجود دافعية أو محاسبة صارمة على ذلك؛ من خلال كل هذا، يمكن ملاحظة تفشّي هذا الطبع في تفاصيل العمل البحريني، محلياً، وكذلك العربي، ونصدم أو لا نريد أن نصدّق، نُعجب ربما وربما نعتبر أن ما يجري في البلاد المتقدمة هو جزء من جيناتهم الخاصة التي لا نتحلى بها، ولكننا جدّ مخطئون. فتجربة شركات كبرى في البحرين كشركة النفط (بابكو) قد أسست لمدرسة منذ بداياتها تقوم على الانضباط والصرامة، فخرّجت حينها أجيالاً مارست الانضباط حتى في حياتها الخاصة والعامة، ولأن النفس مجبولة على الدِّعة والراحة، فإنه متى ما تراخى الضابطون تراخى معهم المنضبطون، وماعت الأمور واندلقت الجودة وتكررت المصائب على اختلافها، ففواطم كثيرات سيرحلن، وراشدون كثر سيتسابقون إلى عليين، وفرص كثيرة ستنقرض، وتقدم مأمول سيتأخر سنوات أخريات.