لم يعد الكمّ يهم الكثير من الناس، خصوصاً الباحثين والمتخصصين، خصوصاً في الدراسات الإنسانية، لأنه لا يقدم الكثير، ولا يعني الكثير من المعلومات إلا في جوانب بسيطة ومحددة، مع المناداة بأن الكمّ يحتاج إلى تفسيرات أخرى متممة ومفسّرة له، حتى يكتمل المعنى. ومع ذلك، فإن الجانب الكمّي يبقى على درجة من الأهمية؛ لأنه يوفر المؤشرات الأولية لأي قضية. ومن هنا، فإن مراكز قياس الرأي العام منتشرة في عدد غير قليل من الدول، إما لجانب استهلاكي كما تفعل وسائل الإعلام إبّان الأزمات والمواقف الوطنية المتكررة كالانتخابات مثلاً، وإمّا أن تستعمل من قبل الباحثين ليرصدوا الظواهر بشكل أولي، قبل القيام بتحليلها وتفسيرها ومنحها المعاني الأعمق التي يوفرها الجانب الكمّي من المسح.
ومن هنا، فإنني أتصور أنه لو تم مسح عينة من البحرينيين اليوم ليقولوا ما الذي يعرفونه عن الحوار الوطني وما الذي وصل إليه، وكم عدد جلسات الحوار حتى الآن، وما الذي تم إحرازه من تقدم في القضايا المطروحة، بل ما القضايا المطروحة على طاولة الحوار أساساً، وما وجهات النظر المختلفة، وأين نقاط الالتقاء ونقاط الافتراق بين القوى المتحاورة، وكم عدد المتحاورين، وأين كانت تجرى اللقاءات، وأين أصبحت، ومَن يمثّل مَن في القوى والأطراف المختلفة، لكانت النتيجة سلبية إلى حدّ كبير. ولأننا لا نزال نفتقر حتى إلى الجهد البحثي الأولي (الجانب الكمّي) من المسوحات الوطنية، فيحقّ لي - كما يحقّ لغيري أيضاً - أن يشرّق ويغرّب في التوقعات والتكهنات التي يعتقد أنها ستأتي من الناس، وذلك بحسب ما يلمسه أي كاتب أو باحث أو متابع من دوائره واتصالاته مع من يلتقي من الأشخاص.
المسألة لا تتعلق بالوعي السياسي، فقد أفرز الحراك السياسي البحريني منذ الانفتاح السياسي وعياً عامّاً، ولن نتوقف في توصيف هذا الوعي بمدى نضجه وتقدمه، فهذا موضوع آخر. ولا تتعلق المسألة أيضاً بالجانب الإعلامي المغطي للحوار الوطني، فالمنافذ والآليات الإعلامية لم تقصّر في هذا الجانب، حتى أن نشرة أخبار الثامنة مساء يتم قطعها للانتقال إلى المؤتمر الصحافي الذي يتضمن أهم ما دار في الجلسات، وأهم وجهات النظر فيها، وكذلك تعمل الصحف المحلية في اليوم التالي، إذاً، من أين يأتي هذا التخمين بأن كثيراً من الناس لا يعلمون أين يقف الحوار اليوم؟
فحوار التوافق الوطني الذي بدأ فعلياً في العشرين من فبراير الماضي، سيُكمل بعد أيام قلائل شهره السابع، وجُل ما نسمعه من الخارجين من الحوار يقول الكلام ذاته تقريباً، وهو أنه عبارة عن خطوة للأمام وخطوتين للخلف، وتنتهي جلسات قلائل بابتسامات، بينما أكثر الجلسات تنفضّ بـ “تغريدات” متنافرة، وتبيّن بشكل أو بآخر جوّاً من التوتر كان قد ساد الجلسة، أو طاف على حواشيها، بما يعني أن يجمد الموقف إلى أن تزال العقبات، وتصفو النفوس، ويتهيّأ الجو مجدداً للجلوس إلى الطاولة! والسؤال الملحّ من الذين لا يزالون يذكرون أن هناك حواراً، وإمكانا للتوافق الوطني، هو: إلى متى؟
فإلى متى يتأبّط المشاركون ملفاتهم ذاهبين آتين منذ منتجع العرين وحتى مركز عيسى الثقافي دون أن يُلمس تقدمٌ واضحٌ جليٌّ في الحوار الذاهب - افتراضاً - للتوافق الوطني؟
وإلى متى سيبقى الحال جامداً في الكثير من مفاصل المسألة التي أدّت إلى الدخول أصلاً إلى هذا الحوار؟
وإلى متى سيظل البشر يستمعون إلى نغمات التشكك، وافتقاد الثقة بين الأطراف المتحاورة؟ وإلى متى ستستمر حالة البيانات الصادرة من قبل جميع الأطراف الداخلة في الحوار، والتي لا تلتقي في الغالب إلا على أن هناك لقاء قد تم في اليوم الفلاني، والتاريخ الفلاني، والمكان الفلاني، بينما تفاصيل ما حدث تختلف إلى حدّ التناقض، بل إلى التناقض نفسه، حتى ليشكّ المرء أن البيانات صادرة عن الاجتماع نفسه، لأنها تغرّد مبتعدة عن الأخرى، حتى ساد البلبال بين الناس، وعادوا إلى ما كانوا عليه، وهو أن كل امرئ يصدّق من كان يصدّق أساساً، ويرخي الحبال طويلة ممتدة لمن كان يغذّيه بالمعلومات والأفكار، وكأننا لم نعد من بعد كل هذا إلا بما ذهبنا به؟
وإلى متى سينتظر المنتظرون، وستنتظر القضايا العالقة، بينما الكثير الوقت يُهدر في المناكفات السياسية والتوقف عند كلمة أو تعبير دون أن يُنظر إلى الصورة العامة التي لا تسرّ أحداً اليوم، ولا يُشكُّ في أيٍّ من المتحاورين بأنهم يرغبون في تغييرها إلى الأفضل.. ولكن عُقد في مناشير حل هذه المعضلة، وعصيٌّ في عجلات دواليب الحوار هي التي تعطل بالتأكيد الوصول إلى ما يُرغب فيه.. فإلى متى؟
وأخيراً... إلى متى يُقدَّر للحوار أن يستمر؟ هل هناك من يود أن يكسب، أو بالأحرى يُهدر الوقت؟ ألا يرى المتحاورون، وغير المتحاورين الخسائر التي تحلّ ببلد تتبعثر جهوده، ويطوي مستثمرون ملفاتهم، ويصرف عنه النظر مستثمرون آخرون، وجدران مناطق كثيرة ملوثة بالكتابات والمسوحات، والشوارع ممهورة بحرائق الإطارات، والحالة... حالة؟
هناك قناعة تتأصل بأن جزءاً من الداخلين في حوار التوافق الوطني لديهم غرض واحد، وهدف واضح، وهو ألا ينجح هذا الحوار، وأن يعود إلى نقطة الصفر مجدداً، وأن مربع البداية هو مربع النهاية، وأن يُنهك المتحاورون بما يشبه لعبة “السلّم والثعبان”، فكلما صعد اللاعبون مربعات، ابتلعهم ثعبان كبير وأعادهم إلى المربعات الأولى... إنهاك واستنزاف وقتل للرغبة في التوصل إلى توافق أو تقارب أو تفاهم.لقد آن للأطراف في داخل الحوار أن تقتل ثعابينها التي تعرقل الجهود، وتحول دون فتح طرق للسير معاً في حل المسائل المحلية العالقة. فالبطولات ليست بالتشدد والتشدق بالتصريحات، ولكنها تقاس بما يتم تحققه على الأرض بما ينفع الناس.