العدد 1794
الخميس 12 سبتمبر 2013
ليست حادثة ... ليست فاطمة غسان الشهابي
غسان الشهابي
ذرائع
الخميس 12 سبتمبر 2013

الصدفة وحدها جمعت بين صدور كتاب “رعايتنا الصحية.. مساراتنا.. خياراتنا.. قراراتنا”، وهو الصادر حديثاً عن ثلاثة من العاملين في مجال التميز والطب والخدمات الصحية في البحرين، وبين وفاة الطفلة فاطمة التي تمت تغطيتها بشكل موسع في الصحف المحلية، وأخذت قضيتها تتسع بشكل كبير وتتداعى.  بين هذين الحدثين المتناقضين في المجال الصحي، هناك الكثير جداً من المتناقضات المتشابهة على المستوى العام، بين المطروح وبين المعمول به حقاً على الأرض، وهذا الفارق هو الذي يصنع لدينا ذهولاً لا يني يتحول إلى مناعة عامة ضد الصدمات، وهذه المناعة تأتي لكثرة التحسّر على الأوضاع العامة والخاصة، وكثرة التباكي الذي يتحول مع جفاف الدموع إلى نوع من اللامبالاة والخمول، وهو الذي يؤدي بدوره إلى الخَوَر، وهبوط العزائم والهمم، مما يجعل الكثير من الناس يدفعون الأيام بالأيام، والسنين بالسنين بشكل غريب ومريب، خصوصاً إن صدر عن أناس في عمر الشباب ولا يزال أمامهم الكثير من السنوات ليعيشوها افتراضاً، وهم يرددون بما يشبه النشيج “تقزر”.
فلدينا – كما لدى العديد من الدول المشابهة – أجمل القوانين المصاغة بشكل محكم أو شبه محكم، ولكن في كل الأحوال فإن الحياة العملية مختلفة تماماً عن ما يرد على الأوراق، فوفاة طفلة في المستشفى حيث يفترض أن تتلقى العناية التي يفترض أن تحيلها من المرض إلى الشفاء، بعد بذل كل العناية، لأمر محزن وفاجع، ولكنه ليس الأول على كل حال، مع الأمنيات أن يكون الأخير، ولكنه بطبيعة الحال لن يكون الأخير مادامت الأخطاء البشرية واردة في كل مكان، حتى في أرقى مستشفيات العالم. طالما قرأنا في زوايا “الطرائف” عن حوادث عالمية كنسيان مشرط في بطن مريض، أو إجراء عملية ولادة لرجل عن طريق الخطأ.. ولكن الحادثة الأخيرة أيقظت ذاكرة عدد غير قليل من البحرينيين الذين تعاملوا مع المستشفيات العامة منها والخاصة، وصارت قصص الفشل هي وحدها التي تسرد وتتردد على الألسنة، مع وجود عشرات الآلاف من قصص النجاح والتميز، ولكن لا أحد يلتفت إليها لأن الناس يعتبرون أن التميز والنجاح هو الأساس والطبيعي. ولكن لأن القصص والحوادث تراكمت عبر السنين والعقود، ومن دون وقفات حقيقية وجادة ومعالجة للمشكلة ومحاصرتها، ومن دون تأويلات وإحالات إلى أية عوامل أخرى غير ذات علاقة بالمهنية البحتة؛ فإن الأخطاء من المرجّح أن تتكرر.
قضيتنا لا تتعلق بالطب والعناية الصحية وحسب، مع أنها ربما الأكثر حرجاً لأنها تتعلق بالأرواح، حياة أو موتاً بشكل مشاهد وملموس ومؤلم أيضاً، لأن الكثير أيضاً من الممارسات اليومية قادرة على قتل الناس وهم أحياء، قتل أحلامهم وطموحاتهم، عبر سدّ الأبواب أمامهم، أو إذلالهم للحصول على حقوقهم والوصول إليها. عبر الواسطات التي تجعل المتمسك بالقوانين يلعن مثاليته التي لم تجلب له إلا الأمراض النفسية والعضوية وهو يرى من لا يستحق يتقدم عليه، والمناصب تسند إلى من ليس بالقوي الأمين عليها. وبينما تأكل الغيرة الوطنية أرواح وأجساد أناس وهم يرون المخالفات المالية والإدارية ترتكب أمامهم وتحت ناظريهم، فإنهم إذا ما رفعوا الأمر إلى من هو أعلى منهم ظناً منهم أنهم سيوقفون سوءاً، أو أملاً في الإصلاح؛ يتكشفون أنهم إنما كانوا يتخبطون في مستنقع من المخالفات الآتية عبر جهل تطبيق القانون، أو العجز عن التطبيق، أو تعمّد عدم التطبيق، والنتيجة واحدة في كل الخيارات.
أرواح تموت في أنظمة تربوية واجتماعية وبيروقراطية تولّد ببغاوات لا يمكنها إلا أن تردد ما يقال لها وما تتلقنه، وأوّاه مما تتلقنه عقول تنحسر فيها مناطق التفكير المحلل الحر المبدع الخلاق، إذا ما استملتها آلات التشويش و”التغبية” والاستلاب والتبعيّة، التي لا تشتهي أكثر من أن ترى الجموع تذوب في هواها، وتتبع إشارات يدها أينما اتجهت، فهناك نسبة كبيرة ممن تحب أن تعيش كالقطيع، وتسلم زمام أمرها لمن يعرف، أو يدّعي المعرفة والبصيرة أكثر منها، ذلك حتى تعيش الجموع في راحة ودعة وتطيل فترة “العطلة المخّية”. فالإنسان المفكر مختلف، ومن منا يحب المختلفين؟! فالكثير منا يريدون أناساً، معارف، أصدقاء، أزواجاً، موظفين، أبناءً، آباءً، جيراناً يشبهونهم، يتفقون معهم، يكررون اليوم ما يفعلونه بالأمس، يسيرون مطمئنين في المناطق الآمنة فكرياً حتى لا يتعبوا عقولهم بالتفكير والاشتغال من أجل الخروج من الواقع إلى ما هو أفضل.. ولم الخروج؟ “الله لا يغيّر علينا”.
سنغضب اليوم وننفعل على وفاة طفلة في المستشفى ولا نزال في طور التحقيقات التي ستكشف ذات يوم حقيقة ما جرى، ولكن ما عسانا نفعل في الغد عندما تتأخر هذه الحادثة وراء حوادث أحدث على المستوى المحلي أو الخارجي؟ هل هناك من سيمسح عرقه ويزفر بما انحبس من شهيق في صدره جراء المحاصرة الآنية لأن الأنظار تحولت عنه؟ بمعنى آخر، سنعيش تجربة أخرى مشابهة – لا سمح الله – ويروح آخرون ضحايا للأسباب عينها، أو قريبة من تلك التي ذهبت فاطمة ضحية لها؟.
أكثر الترجيح أننا سنعيد التجربة ذات يوم، ونرجو ألا يكون قريباً. فكما قلت إن القضية لن تنتهي بالوصول إلى السبب والمتسبب، ولكنها تتعلق بنظام اجتماعي متكامل متواطئ على الكسل والتراخي والإهمال واللامبالاة، على الرغم من النجوم اللامعات فيه، وعلى الرغم من الطاقات المخزونة والمهدورة فيه، ولكنك إن رأيت السماء ليلاً فإنك ستلمح نجوماً في قبة من السواد الحالك، وهو أمر لا يمكن معالجته بلجان تحقيق، ولا بتصريحات حارقة، ولا “بعيون حمراء”، فمادام إحساس الخدر هو الطاغي، فإننا على مواعيد مع أبواب من الألم جديدة.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .