العدد 1780
الخميس 29 أغسطس 2013
عملية الغوطة وضميرنا “الفوطة” غسان الشهابي
غسان الشهابي
ذرائع
الخميس 29 أغسطس 2013

إن كان “لكل زمان دولة ورجال”، فلكل زمان أيضاً مبادئه وقيمه التي تتخلق من تطورات المجتمع الإنساني. بعضها ينبع من داخل المجتمع نفسه، وبشكل غير محسوس وإنما يسري فيه بشكل بسيط وغير محسوس حتى يتمكن ويصبح أمراً منغرساً ومنزرعاً في وجدان المجتمع نفسه، وبعض من هذه القيم تأتي من الخارج، ومن تكاثف استخدامها، واتفاق الكثير من الأمم عليها، وبالتالي فإن الخروج الفجّ عن هذه القيم، وبشكل استعراضي أحياناً، يولد غربة وعزلة لهذه المجتمعات “الخارجة”، وما هي إلا سنوات قليلة حتى يرى الغرباء أنهم لابد وأن يكونوا – وإن على استحياء - ضمن المجتمع الدولي في قيمه التي تشكلت. وما أسرع ما تنتشر القيم الجديدة هذه الأيام، وما أسرع ما تتبدل نظراً للتواصل الكبير والسريع والبالغ التأثير الذي تمارسه وسائل الإعلام المختلفة، والتي تضخها إلينا امبراطوريات الإعلام الغربية التي تحاصرنا عن أيماننا وشمائلنا باستحواذ شركات قليلة على جلّ ما نشاهد ونسمع على مستوى العالم.
بالأمس القريب، وقعت مذبحة “الغوطة” السورية التي خلفت وراءها ما خلفت من قتلى ومصابين. وكالعادة، تقاذفت الأطراف الداخلة في الصراع المسؤولية، كلٌّ يشير إلى الطرف الآخر ويخلي نفسه من المسؤولية. وفي المقابل، فإن الطائفيين والمتطأفنين على الامتداد الإقليمي وقفوا الموقف نفسه، يبكون القتيل لا لأنه قتيل، ولكن لعل بكاءهم يستثير الهمم ويستنهضها من أجل مقاتلة الطرف الآخر وإنهاء وجوده.
الجميع اليوم يمسح يده في ثياب الضحايا وأكفانهم ليلوّح بها قمصاناً جديدة لمعارك قديمة، والجميع يدني المزيد من الطبول للقرع من أجل المعركة الحاسمة. وليست من معركة حاسمة في هذا الصراع المفرغ.
طائفة من أصحاب القيم القومية الأصيلة، يرون أن يقتل نظامٌ مليوناً من شعبه، أهون من أن يكفّ المجتمع الدولي يده عمّا يفعل ويرتكب من مجازر، يفضلون أن يكون الحل داخلياً، مع أن أساس المشكلة داخلية، ولكن مع ذلك لتطل بها الأزمنة، ويتذابح الناس ما عنّ لهم أن يتذابحوا، ويفنوا بعضهم بعضاً، فلا شيء أرخص من الحيوات، ولا سائل أرخص من الدماء، ولا أرخص من أحلامنا، وعلاقاتنا، ولكن لا يتدخل العالم فيما بيننا!.
الأمر هو ذاته الذي حدث إبان غزو صدام للكويت في مثل هذا الشهر في 1990، إذ وقف الناس في ذهول تام مما جرى، فلم تكن مناوشة حدودية اعتادتها الأنظمة العربية، ولا غارة خاطفة “تأديبية” تمثل قرصة أذن لنظام آخر، ولكنه كان غزواً مكتمل العناصر، اجتياح بكل المعاني، اقتلاع نظام وإحلال نظام محله، فكان أكثر المزاج العام العربي قد انبنى على رفض فكرة الغزو مع ما روّجه النظام السابق من مبررات واهية. ولكن ما إن فشل الحل العربي وبدأ المجتمع العالمي يتحرك وفي مقدمته الولايات المتحدة، حتى تحول كثير من رافضي الغزو إلى مؤيدين له، متناسين قيمهم ومُثلهم وعدم تجزؤ الحق وتفصيله على مقاس كل حالة على حدة، وطفقوا ينددون بالتدخل الغربي في الشأن العربي، وصاروا من المنافحين عن أفعال وأقوال ورجال كانوا قبل أيام قليلة يصبّون عليهم من اللعنات ما يستحقون.
الأمر نفسه تكرر مع الكثير من الحوداث التي أثبتت فيها الكثير من الأنظمة العربية أنها لا تتعلم، ولا تريد أن تتعلم الدروس العالمية، بأن هناك مصالح كبرى، وخطوط حمراء، وذرائع للتدخل والسيطرة، فتواصل في طغيانها، وعنجهيتها، وتكرر وتجتر الخطابات نفسها التي ألقاها أسلافهم الذين لقوا مصائر مخزية من بعد كثرة انتفاخ، وطنطنة لغوية، وإلقاء آلاف القذائف الكلامية، وقد توعّدوا التحالفات الدولية بأنهم سيرجعون مندحرين مكللين بالخزي والعار، وأن الحرب على بلادهم ليست نزهة، وأن أرض بلادهم ستكون مقبرة للغزاة الإمبرياليين... والأطنان من هذه العبارات التي لم تعد تخيف أحداً، ولا تؤثر شعرة في موازين القوى العالمية التي تعتمد على العلم والحسابات اليوم، لا على البلاغات والعنتريات، فيمكن لمجند غرّ أن يفني كتيبة من طوال الشوارب بكبسة زر وهو جالس في مركز قيادة أركانه على كرسيه.
هذا لا يعني الاستسلام والركوع والخنوع، ولكنها دعوة المؤذن في مالطا، لتعتبر الأنظمة المتسلطة وتعرف أنها ليست معزولة أو منعزلة عن العالم، حتى لو أرادت فإن هناك مزاجا عاما عالميا اليوم يضرب بيد من حديد على من يتلاعب بالدماء والأرواح. والأخطر أن هذا المزاج انتقائي، فقد يغضّ الطرف عن نظام يبطش ويقتل ويسحل ويسجن، وفي المقابل يمكن أن يحشد الجيوش ويحرك الأساطيل لملاقاة نظام صارم وغير متساوق مع ما يريده المزاج العام الدولي ذو الصبغة الأميركية.
هي الدعوة ذاتها التي تعرف مدى انحياز إرادة المجتمع الدولي، ومدى الظلم الذي تمارسه، والمكاييل التي تكيل بها الأمور، خصوصاً في التعامل مع العدو الإسرائيلي، وحتى لو قيل إن غالبية ما يجري في الداخل العربي عبارة عن أحداث داخلية بأيادٍ خارجية لها مصلحة في زعزعة النظام لكي تجد سبيلاً للتدخل فيه؛ فإن هذه الأنظمة العربية لا تقصّر أبداً في منح أعدائها، وحتى أصدقائها أيضاً، جميع المبررات لكرهها، والاشمئزاز مما تفعل وتمارسه في حقوق شعوبها. فحتى الأب الذي كانت له اليد المطلقة في تأديب عياله في الماضي، ما عادت له اليوم هذه الفسحة من السلطة المنفلتة، وصار حتى من حق الجيران أن يقدموا شكوى ضده إذا ما شهدوا أنه تجاوز حدود التأديب التي تواضع عليها المجتمع، فتأخذ المؤسسات الرسمية على يده، وتجرّم فعاله. إن ما حدث في الغوطة، سواء كان من عمل النظام انتقاماً، أو من عمل المعارضة تهييجاً للرأي العام العالمي، ومحاولة اتخاذ وجوهنا مناشف لمسح الأيادي الملطخة بالعار، كي نسكت حتى لا تسقط دولة “ممانعة”، أو لكي لا تنتصر قوى تكفيرية، أو لتفوز طائفة على طائفة، كلها مما لا تتحمله الضمائر الحية، ولا يقبله من له قلب سليم في نظام عربي خائر القوى والعزائم، لم يبرهن مرة واحدة أنه “نظام” أصلاً، لنقف أمام المفترق: اما السكوت الذي تعودناه، أو الضجيج الذي تعودناه، وليسقط عشرات الآلاف من القتلى الآخرين... لا يهم.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .