في هذه الزاوية، كتبت الكثير – من وجهة نظري الخاصة - عما على الجهات الرسمية عمله إن أرادت أن تنزع فتيل المشكلات المتكررة في المشهد البحريني. وهي في الحقيقة الجذور ذاتها المسببة للمشكلات في أي بلد في العالم، فمتى ما تراجع دور الدولة، بكل مؤسساتها ورجالاتها في بسط العدل على الجميع، وفي إرساء قواعد المساواة، وفي تمكين جميع المواطنين على اختلاف مللهم وأعراقهم وأنسابهم وخلفياتهم وأديانهم ومذاهبهم وطوائفهم ومناطقهم وقبائلهم وألوانهم وألسنتهم، من تحقيق أحلامهم المشروعة، وإتاحة الفرص المتساوية أمام الجميع للتعلم الجيّد، واستلام الوظيفة المناسبة للمؤهلات والإمكانيات، والتنافسية الشريفة بين الجميع من أجل الوصول إلى حقوقهم، وتطبيق المبادئ الإنسانية العامة بين الناس، والتي تواضعت عليها الأمم اليوم، والتي صار أي تصرف غيرها غير مقبول، إلا ببعض الخصوصيات التي لا تنكر، ولا يمكن تجاوزها؛ حينها يُقطع الطريق أمام أي مندس أو مأجور أو مدفوع بأي دعوى كانت للقول انه مظلوم أو له حقوق مسلوبة أو منتهكة. على اعتبار أن ما تقدم، وربما ما جرت الغفلة عنه في السياق الماضي من دون قصد، هي الأسس التي عليها تقوم المواطنة المتساوية، والتي يشعر الجميع من خلالها أن حقوقهم مصانة، وأن مصالحهم محمية، وأن مستقبلهم يقوم ويرتكز على أساس عطائهم لا على أي أساس آخر. وعندها أيضاً تسقط مقولات ان الشهادات لا تعني شيئاً، أو ان الواسطات هي التي ستقود فلاناً وعلاناً إلى وظيفة ما، أو منصب ما، وبالتالي ليس عليه أن يجدّ ويكدّ ويبذل طاقته لا في الدراسة ولا في العمل، لأنه يشعر بدءاً أنه سيصل بأقصر الطرق وأسهلها. وهو الأمر نفسه لدى اليائس الذي يعرف بدءاً أنه إن درس وحصّل، أو لم يدرس ويحصِّل، وإن كدّ وجدّ في عمله أم لم يفعل ذلك، فمكانه معروف، ودرجته ستتوقف عند سقف معين، ووظائفه محدودة ومحددة، وسنجد لدينا جيوشاً جرارة من المواطنين والموظفين والعاملين السكالى الذين تجمدت أحلامهم، وتجلطت هممهم، وحينها يتوجب علينا أن نأتي بغيرهم لكي يعملوا ويحرّكوا عجلات الأعمال بدلاً من جمودها وارتباكها، وهذا ما يجعل كثيراً من الذين التقيهم من غير البحرينيين، وخصوصاً من العرب، يعجبون أشد العجب من تكاسل وتراخي المواطنين عن إنجاز الأعمال التي يقوم بها فرد واحد من المستقدمين من الخارج، وهم لا يعلمون حقيقة أن الإنجاز يتطلب الدافعية، والدافعية تحتاج إلى أحلام، فإذا ما انقطع التيار عن الحلم بالمستقبل، يتساءل الفرد عن جدوى ما يعمل.
ربما يكون ما تقدم صائباً أو مجانباً للصواب، ولكنه لا يعدو وجهة نظر شخصية في أسباب ودوافع المشكلات التي تحدث بين الفينة والأخرى، وعلى ضوئها تبدأ محاولات أهلية يقودها أفراد ومؤسسات وهيئات مجتمع مدني، وأطر مختلفة، لمحاولة “رأب الصدع” وتقريب الحلول، ودمج المتنافر من الأفكار والأفراد، والعودة إلى المنصات المعقولة للمجتمع حتى يبدأ مجدداً مرحلة أخرى من التجاوز للخلل الذي وقع، ونشر فكر تصالحي ووعي عام بأنه من دون هذا التعايش لا يمكن للناس أن يمضوا في حياتهم آمنين مطمئنين، يضعون رؤوسهم على الوسائد من دون كوابيس تقضّ مضاجعهم في هدأة الليالي.
إلا أن هذه الجهود، وإن كان منطلقها سامٍ وطيّب، وإن كان أغلب القائمين عليها من ذوي النوايا المخلصة الصادقة الصافية الرامية إلى خير البلاد والعباد، فهي أيضاً تبتعد عن ملامسة المشاكل التي تعرض لها المجتمع، وهذا ما يجعلها لا تتقدم كثيراً بالشكل المطلوب لتحقيق مرادها.
في وضعنا البحريني، وخلال الفترة التي أعقبت أحداث النصف الأول من 2011، تشكلت الكثير من المبادرات الأهلية، التي لم تجد لها – للأسف الشديد – الدعم والعون، وربما أيضاً لحسن حظها لم تجد هذا الدعم والعون من أيٍّ من الأطراف المتصارعة حتى لا تقع في أسرها من دون أن تدري. وقد بذلت هذه المبادرات الكثير من الوقت والجهد، وتحمّل بعض من أعضائها كلاماً أمرّ من الحنظل من قبل المناوئين لهم، وتقبّلوه لأن أهدافهم وأحلامهم ومراميهم أبعد من الدخول في المهاترات. ولكن بعد مرور هذا الوقت، انطفأ العدد الأكبر من المبادرات، ووقف أعضاؤها وقد انحنت أكتافهم من التعب والنصب الذي لاقوه، ومن قلة المخرجات، وضآلة ما تحقق، وتسرّب من حولهم الواحد تلو الآخر؛ يجدر بهذه المبادرات، والأكارم والكريمات القائمين عليها، أن يعيدوا النظر ويجيلوه في ما تقدم، وأن يعوا مكامن المشاكل، ومن يحرّكها، ومن يغذي الانقسام المجتمعي، ومن ذا الذي لا يريد لهذا البلد أن يهدأ ويستقر، ومن هم المفاتيح الذين يقدحون الشرر، ويشعلون النيران في الطوابق السفلى من البناء، ومن هم الذين يزودونهم بالمواد سريعة الاشتعال في الطبقات العليا، ومن هم المستفيدون من هذا الضرام المستمر، وهذا القلق المستعر، وذلك ليضعوا الحلول الناجعة لإطفاء جذوة اللهيب من أساسه، ويبدأوا – بكل ما وسعهم وبقدر ما في أيديهم من حِيل – لقطع الأكسجين عن النار حتى لا تتغذى ويصطلي بها الجميع.
إن الحديث النظري ليس كالعمل الميداني، ومن يصارع جميع القوى من جميع الاتجاهات ليس كمن يتفرج، ولا يمكن أن يُبخس المبادرون حقهم، بل سيأتي يوم تكتب فيه أسماؤهم بحروف من نور وطني ساطع، ولكن الخشية أن يتنكب المبادرون الطريق، ويضيعون أوقاتاً وجهوداً في حفر قنوات لا ينساب فيها إلا القليل من الماء، وذلك عبر أنشطة وبرامج لا تأثير لها، ولا نتائج مشجعة تأتي منها، ولا زرع يغرس في الأرض من جرائها.
قد يحتاج المبادرون الأهليون بعض الوقت ليدرسوا ما جرى في الماضي، ويعرفوا أي الطرق الأقصر والأجدى والأسرع إلى الهدف، فليس منهم من يريد أن يفعل فقط ما يُعذر به أمام ضميره ومجتمعه بأنه فعل، ولكني لا أشك أن جلّهم يريد أن نخرج جميعاً من هذا الكهف.