كانت تمشي قاصدة مسكنها المؤقت في مدينة جديدة عليها، فقادتها قدماها إلى شارع موحش، يسكنه مشرّدون وبعض المهاجرين، عماراته قديمة، تنتشر فيه تجمّعات اعتدنا في الأفلام الأميركية أن نراها مصدر رعب، ومنبت الجريمة، لم يكن أمامها وهي تقطع الطريق إلا أن تواصل السير. فجأة شعرت بمن يمشي خلفها، تبطئ خطواتها فيبطئ خطواته... تزيد من سرعتها فيزيد من سرعته. قامت بحركة استكشافية بأن غيّرت الرصيف للرصيف الآخر لتستكشف من الذي يلاحقها، فلم تجد أحداً خلفها.
ازداد خوفها أن يكون قد اختبأ في إحدى الزوايا ليفاجئها من أمامها. دارت في بالها جميع الأمور السيئة التي يمكن أن تحدث، السيناريوهات المحتملة: مجرم يخرج سلاحاً ليهددها بأن تعطيه كل ما لديها وإلا... اختبرت الأمر مرة أخرى، لتكتشف أنها طوال الوقت لم تكن تسمع إلا نفسها، فقد كانت الحقيبة المعلقة على ظهرها بها من الأدوات ما يضرب بعضه بعضاً بشكل يتناسب مع سرعة خطواتها، وكأن أحداً يمشي خلفها مباشرة!.
صحيح أن مخاوفها قد زالت بعد أن استهلكتها لبعض الوقت، وربما ضحكت من نفسها، وربما خجلت داخلياً من كمّ الخوف غير المبرر الذي انتابها طوال الأمتار التي امتدت وكأنها لن تنتهي قبل أن تكتشف الحقيقة، ولكنها كانت تكفي لتدفق الادرينالين في جسدها في هذه الفترة البسيطة لكي تفكر بالنجاة من خطر تصوّرته أنه سيكون داهماً ويهدد حياتها.
كثيرة هي المواقف المشابهة في حياتنا اليومية، فهناك جهات، أفراد، مؤسسات، لا يمكنها العيش إلا على حساب تخويف الآخرين، وزرع شتى أنواع المخاوف لديهم، وهذا أساس وجودها واستمراريتها، فإنها غالباً ما تروّج هذه المخاوف حتى تجعل البشر في أدنى درجات الضعف والقلق والحاجة للحماية، فتنبري على أنها حامي الحمى، وأنها القادرة على صدّ الأخطار، وأنها الوحيدة التي يمكن أن توفر الأمن والأمان للمجاميع. وتعمل هذه الجهات على ربط أمن الفرد ومستقبله ووجوده وكيانه وسلامته وحياته وحياة من هم حوله ممن يحبهم ويهتم بهم؛ بوجود هذه الجهة، أو هؤلاء الأفراد، وبالتالي يربط مصيره بهم، ويتعلق بأستارهم، وقد يلغي عقله ومنطقه وما تعلمه وتجاربه، ويؤجّرها، أو يبيعها كلياً لمن يروّج له هذه المخاوف في مقابل توفير الحماية له. والأغرب من هذا أن هذه الكيانات لا يكفيها أن تقاتل نيابة عن الخائف، بل تجنّده وتجعله يقاتل إلى جانبها، فإمّا أن يقاتل أو يجد نفسه في عداد المقتولين!.
إن عملية تضخيم المخاوف، أو التخويف بحدّ ذاته، من الأمور التي خبرتها البشرية منذ القدم، والتي تمسّ وجود الإنسان نفسه. والخائف شخص تسهل قيادته، إذ تنهار لديه كل سبل المقاومة، ويتراجع لديه التفكير السليم، ويبدأ جسده يضعف، يأكله القلق والخوف، وأول من يبدأ مهاجمته هو جسده ذاته، وهو الجسد الذي يكون متماسكاً متى ما كان الفرد متوازناً نفسياً، ومتآلفاً مع ذاته حيث تعمل دفاعات الجسم على صدّ الهجومات الداخلية فيه. ولكن متى ما انصرفت الطاقة البشرية في الخوف والوسواس والقلق غير الصحي، حتى تتخلخل هذه الدفاعات، وتترك الساحة الداخلية فارغة لكل أنواع الأمراض والمصائب لكي تغزوها وتتربع بها، ويتحول المرض النفسي إلى مرض نفسي وعضوي مركّب وتتعقد معه القدرة على الشفاء والخروج من هذه الدوّامة، فيكون الاعتماد أكبر على المنبري للدفاع عنه، وينسى الخائف عندها أن من يدافع عنه هو من باعه حزمة المخاوف في الأساس وكبّرها لديه.
سيصعب، في الملمّات والأوضاع الحرجة، أن يُطلب من الخائف أن يقف للحظة متفكراً في مصدر هذه القصص والمخاوف التي سيقت له، وسيصعب عليه أن يجري تقييماً للموقف ليعرف ما إذا كانت هذه المخاوف حقيقية أم أن هناك من يحاول نفخها، وحينها لا فائدة من حديث العقل، ولا مجال للهدوء، لأن غريزة النجاة والسلامة، وهي غريزة الأحياء عموماً، وهي صفة يشتركون فيها، هي الغالبة. هنا يعود الإنسان إلى أصله الأول، ينسى في هذه اللحظات الحرجة كمّ الخبرات المتراكمة، والقراءات، والمعارف التي تحصّل عليها، ولا يعود من المجدي أن يقف راهب بهدوء وسكينة في وجه قطيع مذعور من الجواميس الهاربة من مصدر الخطر.
الفرق بين الإنسان والحيوان هنا هو أن الحيوان يستشعر الخطر الداهم، يعرف به قبل الإنسان، وغالباً ما يفرّ منه قبل وقوعه لما زرعه الله فيه من حساسيات تجاه ما يهدد حياته، حتى لو لم يتعرض الحيوان لهذا الموقف من قبل. بيد أن الإنسان، وهو الكائن الشديد التعقيد، والممنوح نعمة التفكير، وقراءة التاريخ وتحليله والاستفادة منه، والمحتفظ بذاكرة إنسانية تعود إلى عشرات الآلاف من السنين من المواقف المتشابهة، تراه – ويا للغرابة – يُخدع في كل مرة من تجّار الخوف، وبدل أن يهرب منهم ليتّقي شرهم، تراه يرتمي في أحضانهم، مستسلماً لهم، هاتفاً في مواكبهم، معظّماً لأفعالهم، ومكرراً القصص نفسها حتى من دون أن يتأكد من صحتها، ويمكنه في تلك اللحظات التي بيعت له، أن يدهس الآخرين في طريقه إلى النجاة، وأن يظلم، ويبطش، ويتجاوز كل القيم والأخلاقيات والتعاليم الدينية والدنيوية التي تلقاها طيلة حياته. والأكثر من ذلك والأبشع، أن يقوم بتبرير هذه الفِعال على أنها مستلزمات حرب الوجود: إما أنا أو هو.
فلا أحد من بني آدم اليوم يريد أن يكرر “غلط” هابيل ودرسه، إذ بدا مستسلماً أمام أخيه قابيل، ابن أمه وأبيه، فآثر أن يقضي قتيلاً على يد أخيه لكي يبوء الآخر بإثمه. فالناس في جلّهم اليوم صاروا قابيليين، مستعدون للقتل، مستجيبون للفتنة التي هي “أشدّ” من القتل نفسه و”أكبر”.