العدد 1770
الإثنين 19 أغسطس 2013
حوارية جوّانية في المسألة الإخوانية غسان الشهابي
غسان الشهابي
ذرائع
الإثنين 19 أغسطس 2013

لا أدري إن كان هذا أمرا قاصرا على الشعوب العربية أم أنه يتعداهم، ولكننا دائماً ما نتحدث ونفكر بعدّة مستويات مختلفة وغير مترابطة، المسألة نفسها، ولكننا في كل مرة نطرقها بشكل مختلف يبتعد عن التفكير العقلاني والمنطقي والعلمي، ونغلّب العاطفة في الحديث المتراوح بين المع والضد، وهنا وهناك. كما أننا أيضاً لا نتورع عن تغيير مستوى الحديث ونوعه إذا كان الحديث داخلياً، ومتى ما انضم إلينا من هو لا علاقة لنا به، أو يشكل أحد الأطراف التي لا نودّ أن يسمع منا مقولة حتى لا يشمت فينا.
المسألة التي حدثت في مصر، وتحديداً منذ صبيحة يوم الأربعاء الماضي (14 أغسطس)، لهي واحدة من العلامات التي ستظل حافرة في التاريخ المصري، ووشماً على جسده لن يُمحى، وذلك حينما جرى فض اعتصامي ميدان رابعة العدوية وميدان النهضة في القاهرة، وعلى إثره جرت الكثير من المصادمات الدامية والمؤلمة والمؤسفة، وهو أمر لم تعتده الذائقة المصرية ولا الشخصية المصرية حتى في أقسى الظروف. فحادثة دنشواي التي يسردها المصريون كابراً عن كابر، وجيلاً بعد جيل، وتعتبر واحدة من المحطات الأهم في التاريخ المصري في نضاله ضد الإنجليز، والتي تشكلت لها محكمة مصرية (في العام 1906) بإرادة استيطانية إنجليزية، كان قد تم فيها الحكم بالإعدام على أربعة مصريين فقط. وعلى الرغم من حرمة الدم والروح، فإنها لا تقارن بما يجري اليوم بين أبناء الشعب نفسه، لا محتلّ هنا ولا استيطان، فتساقط المئات وصعدت أرواحهم إلى بارئها في عدة أيام فقط، ولا تزال معارك الكرّ والفر مستمرة، ولا يعلم إلا الله ما الذي تخبئه الأيام القليلة القادمة. فهذه المناظر المرعبة حقاً، والتي تجعل القلوب ترجف في أقفاصها وهي ترى قلب العروبة يراد له العطب، حيث صور السيارات المحروقة، والبنايات المشتعلة، والشوارع المنهوبة، والناس أمام الناس، كلٌّ يشير إلى الآخر بأنه يتسبب في دمار البلاد وحرفها عن مسارها ومسيرتها، وكلٌّ يقول إن الآخر يحاول اختطاف الثورة وتجييرها لصالحه، وكل يتحدث عن الشرعية، شرعية الشعب أو شرعية الصناديق، والسجال المصري طويل ومعقّد لأنه لم يكتف بالإجراءات السياسية، بل امتد إلى ما حرّم الله، وهنا تتعقد المسائل في الغالب، وتتعثر الحلول.
في هذا الشأن، نرى – وبشكل طبيعي جداً، ومنطقي أيضاً – أن “إخوان” البحرين متململون مما يجري لبلد المنبع والفكرة، وهذا الحصار الشعبي والرسمي الذي يجري للقيادات والامتدادات، ولعدة أسباب، فهناك تعاطف كبير مع حركة الإخوان المسلمين في مصر وذراعها السياسي، وهذا واضح من خلال الأحاديث المتناثرة، والكتابات الصحافية والإلكترونية لأعضاء هذا التيار هنا.
ومع أن الدارسين لحركة الإخوان المسلمين يمكنهم أن يلحظوا بجلاء طبيعة حركة “إخوان” البحرين وتحالفاتها وحراكها المختلف كلياً عن غيرها في الكويت والأردن وسورية ومصر وتونس وغيرها من البلدان، إذ تتسم دائماً بتوافقات عالية مع الحكم؛ إلا أن عقد مقارنة هنا بين ما جرى في البحرين ومصر، ونظرة “الجماعة” هنا وهناك للحدثين سيكون أمراً له من الدلالات ما يمكن التوقف عنده.
فالحركة، أفراداً وجماعة وقفت موقفاً مناوئاً لما جرى من حراك في البحرين (14 فبراير 2011)، وانضمت إلى “تجمع الوحدة الوطنية” في انطلاقته، أو ما أسمي “أهل الفاتح”، على اعتبار أن ذاك الحراك ضد الشرعية، ولكنها اليوم تبرر اعتصام جماعتها في مصر، وحجزها للميادين والشوارع لأكثر من 45 يوماً على اعتبار أنها حركة مشروعة، ومن حق الجميع التعبير عن رأيه بسلمية. بغضّ النظر عن السبب الذي أدى لخروج الناس هنا أو هناك، ولكن الفعل واحد، ولكن النظرة مختلفة.
في حواراتي مع “إخوانيين”، كانوا يبدون عجباً ودهشة وامتعاضاً وريبة ممن يموّل “الدوّار” ويديره، أموالاً وتغذية وإدارة ونظافة وترتيباً وشحنا، ولكنهم لم يتساءلوا أبداً، أو لم يتوقفوا أمام الأمر ذاته في كل هذه الميادين التي تعدت القاهرة، وأرجعوها إلى الناس والأعضاء والشعب الذي كان مؤمناً بشرعية الرئيس السابق محمد مرسي، وأنهم كانوا يعطون عن طيب خاطر، ويتبرعون ويتطوعون ويأتون من بيوتهم بالمؤن والأغذية ووجبات الإفطار في رمضان!.
هنا، وقف الإخوان والأخوات أيضاً مع الرواية الرسمية التي أكدت أن هناك أسلحة لدى المعتصمين في الدوار، وفي أماكن أخرى، صور فوتوغرافية وأخرى متلفزة، أظهرت بعض قطع الأسلحة وأسياخا حديدية وسيوفا أو ما يشبه السيوف، وسكاكين يمكن استخدامها لأغراض مشروعة وغير مشروعة. أما في الأحداث التي جرت في مصر، فإن الرواية الرسمية لديهم كاذبة، والصور ملفقة، واللقطات الحيّة لأفراد يطلقون رصاصاً إنما هي لـ “بلطجية النظام” وهم يهاجمون المعتصمين السلميين!.
أما “المعتصمون السلميون” هنا فهم في رأي أعزتنا من “إخواننا” قد تعمّدوا أن يتخذوا من النساء والأطفال “دروعاً بشرية” معتقدين أن هذا سيكون رادعاً لقوات الأمن عن فضّ اعتصامهم، أو إفساد حركتهم، ووأد مطامحهم، لكي يخرّ السقف على مؤامرتهم، أما هذا الكمّ الكبير من “المعتصمين السلميين” من النساء والأطفال، والأسر بأكملها التي تحصّنت بما ظنته حصناً في الميادين العامة في القاهرة وغيرها، فهو ليس إلا تعبيراً عن الالتحام الشعبي وراء مطلب “شرعي”، فهبّ الناس كبارهم وصغارهم، رجالهم ونساؤهم، للتعبير عن رأيهم في المطالبة بالشرعية! واستكمالاً للمشهد المتناقض برمته؛ فالذين خرجوا هنا إما “مجرمون” أو “مغرر بهم” على أقل تقدير، والذين خرجوا هناك على أعلى درجات الوعي.. هنا “انقلابيون” وهناك “مطالبون بالشرعية”.
وفي الحقيقة، فإن هذا التباين والتناقض لا ينطبق على “الإخوان” وحدهم، بل على جميع الفصائل السياطائفية، من السنة والشيعة في البحرين، وهذا التناقض هو ما يقود رؤيتنا لكل ما يحدث في إيران والعراق وسورية ومصر ولبنان وتونس والسودان وغيرها، حيث تتقلب الأمور ما بين التأييد والتفنيد ليس على أساس المبدأ، بل على أساس موقفنا ممن ينفذ المبدأ.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .