العدد 1766
الخميس 15 أغسطس 2013
العقارب في رجوعها القهقري غسان الشهابي
غسان الشهابي
ذرائع
الخميس 15 أغسطس 2013

 في النصف الثاني من ثمانينات القرن العشرين، لمع عدد من الكتاب العرب الذين كان بعضهم لامعاً من قبل هذه الفترة. ولكن مع قيام الثورة الإيرانية (1979)، وتخصص بعض الكتاب العرب في الكتابة عنها وتفكيك شفراتها التي غمضت على الكثير من أهل المنطقة خصوصاً، ونظراً لطبيعة التركيبة السكانية في المنطقة التي تتلهف أطراف منها للتعرف فضولاً، وتتلهف أطراف أخرى لتأكيد أفكارها، إما انتماء أو نفي؛ لاقى كتابا محمد حسنين هيكل (مدافع آية الله)، وفهمي هويدي (إيران من الداخل)، رواجاً كبيراً في أوساط القراء والمثقفين والمنافحين عن الثورة وآلياتها، والواقفين منها موقف الضد. وفيما كان هيكل قد بنى هيكله الإعلامي على أمجاد وامتداد الناصرية؛ فقد كان هويدي قريباً جداً ومتماساً مع الفكر الإسلامي، وأكثر تعاطفاً مع الجانب الإخواني منه. ولأن عقد الثمانينات كان واحداً من تجليات “الصحوة الإسلامية” وإعلامها، فقد راج الأخير في هذه الفترة وما بعدها بقليل.

بعد الانفتاح الإعلامي بفضاءاته اللامحدودة، وغلبة المحطات التلفزيونية، وتراجع الحرف المرقوم، وازدحام الصحف بالكتاب “الغثّ منهم والسمين”، تراجعت حظوظ الكثير من الكتاب، وخف بريقهم، ومنهم هويدي أيضاً الذي ظل يسبح في بحيرته التي صغرت نوعاً ما. ولكنني شخصياً، قررت في الآونة الأخيرة متابعته لمعرفة أكثر دقة لما يحدث في “رابعة” مصر، وكيف يفكر الإخوان هناك من خلال واحد من أهم كتابهم.

لفتني الرجل في مقال حديث له يشير فيه إلى أن عدداً من الرسائل تصله تباعاً في الآونة الأخيرة من أهله وأصدقائه تدعوه إلى توخي الحيطة والحذر في التعبير عن رأيه إزاء ما جرى منذ 30 يونيو في مصر، وتعديل بعض الأوصاف والألفاظ لكي يضمن سلامته لأن هناك جهات لا تحتمل النقد أو التلميح بالنقد، وان أجهزة قديمة في المخابرات وما يتبعها من أجهزة أو ما يشبهها، قد استعادت عافيتها، وأنها اليوم في صدد أخذ أماكنها التي اعتادتها، وهي لن ترضى، لأنها لم تتعود أن تتقبل النقد، وبالتالي فإن الخطر سيكون محدقاً به ليس إن صرّح بنقد لما يراه (من وجهة نظره) غير صحيح في الأوضاع التي تعيشها بلاده اليوم، ولكن الخطر سيكون وافراً لمجرد إحساس، أو تأويل بعض ما يكتب على أنه ضد الوضع القائم. وللمفارقة، فهذا هو الوضع الذي شكا منه مناوئو تيار الإخوان إبّان العام المنصرم من حكمهم البلاد!.

الوضع الذي شكا منه هويدي في مقاله الذي نشره في صحيفة “السبيل” الأردنية في الـ 12 من الشهر الجاري، هو محور هذا الحديث، وهو التراجع الكبير في الحريات العامة الذي عمّ الوطن العربي من بعد الحراك الذي ثار على الديكتاتورية والصوت الواحد والتعتيم الإعلامي واحتكار المايكروفون والشاشة لجهة واحدة وهي الجهة الرسمية في غير بلد، وعدم السماح بالظهور، ليس للمعارضين وحسب، إذ ربما سيتفهم المواطن البسيط الذي اعتاد أن يراهم إما في المنشورات أيام زمان، وإما في وسائل التواصل الاجتماعي هذه الأيام، بل إن الماكينات الإعلامية الرسمية في الكثرة الكثيرة من البلاد العربية، وفي لهاثها من أجل استرضاء الطبقات الحاكمة، والأحزاب المسيطرة، وتمجيد وتقديس الرئيس، تجاهلت حتى المواطن الاعتيادي الذي همّه الخبز والسكن والعيش عافاً كافّاً خيره وشرّه، ويقول “يا الله السلامة”، فتم تغييب الجميع من المشهد الإعلامي لعقود متتالية لصالح من له السيطرة “ومن يأخذ أمنا.. يصير عمنا”. وهذا ما حدث في مصر في الآونة الأخيرة، إذ إن الإعلام الرسمي، بصحفه “القومية” وتلفزيونه وإذاعته، كان يقف “بجدّ” مع الرئيس مبارك، حتى إذا ما تصدّعت أركان حكمه، انقلب عليه ووالى الثوار. وما إن تمت الانتخابات وفاز بها الرئيس محمد مرسي، حتى دان له، وانقلب عليه عندما انقلب عليه العسكر. وفي كل مرة هناك أطنان من المبررات التي يلجأ إليها الكتبة والمعدّون لتبرير هذه الانتقالات.

الأمر نفسه يحصل في تونس التي يريد قسم هناك أن يسير على خط إخوان مصر في السيطرة على مفاصل الحكم، وبسط سيطرته على جميع أركان البلاد وحراكها، في الوقت الذي يتهيّأ قسم آخر من التونسيين للأخذ بالتجربة العسكرية المصرية والدعوة لها، وفي كلتا الدعوتين، تقف الحرية، وحرية الكلمة على وجه الخصوص في موقف حرج.

في تنقلي في إجازة العيد بين عدة قنوات لعلّي أجد ما يمكن الركون إليه، توقفت للحظات أمام محطة تلفزة ليبية، تنعي أحد الإعلاميين الذين دفعوا حياتهم نتيجة وهمهم بأنهم صاروا اليوم في وضع أفضل مما كان بالأمس من حيث حرية التعبير. وما الأوضاع في سوريا والعراق وجملة من الدول العربية اليوم بمختلفة عمّا تقدم، وأرقام ضحايا حرية التعبير في هذا الوطن في ارتفاع، سواء كان من حيث التهديد، أو الاستدعاء للتحقيق، أو الاعتقال، أو التعذيب، أو الاعتداء الجسدي، أو... القتل. ما الذي تغير؟ وأين أجهزة الأمس من أجهزة اليوم؟ وأين الحرية التي دفعت الشعوب دماءً سخية من أجلها، وسالت ألسنتها الحمراء القانية باحثة عن مخابئها لتطلقها من عقالها؟.

لقد أحدث سقوط مقولة “إن عقارب الساعة لا تعود إلى الوراء” دويّاً عالياً، فقد عادت هذه العقارب في الكثير من الجهات العربية إلى أوضاع أسوأ وأكثر وحشية وانغلاقاً عمّا كانت عليه قبلاً، وبات الحذر أحياناً، والخوف في أحايين كثيرة عنوان الكتابات التي طالما تباهى أصحابها أنهم كانوا أصواتاً حرة أيام الاستبداد، لتثبت الأيام والشهور والسنون أنّ الحرية لا تزال بحاجة إلى الريّ الأحمر الساخن لكي تكتمل الصورة، ذلك أن من يأتي اليوم ليسيطر على المقاليد ما هو إلا نتاج رضاعات مشبعات من الاستبداد والإقصاء الذي مورس عليه، فلا يملك من سعة الصدر ما يمكنه من الإفساح للأفكار كي تتلاقح، والآراء كي تتضاد وتتعارك في منابعها قبل أن تصبّ في مجرى النهر الوطني.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .