العدد 1763
الإثنين 12 أغسطس 2013
إلى أين نحن سائرون؟! غسان الشهابي
غسان الشهابي
ذرائع
الإثنين 12 أغسطس 2013

بالرغم من كل ما مرّ بالبحرين في السنتين الماضيتين على وجه التحديد من تحديات عظام على الكثير من الصعد، فإن هناك شبه اتفاق بين فعاليات لم تنتم يوماً إلى المعسكرات المتناوئة والمتناوشة، أن أعظم ما رُزئت به البلاد يتمثل في الانفلاق المجتمعي. والثقة التي باتت مطلباً مهماً من أجل التوصل إلى ما يعيد شدّ الطرفين إلى بعضهما.
هناك من يظنّ أن ما حدث كان انكسار لوح الزجاج الذي سيظل الأثر فيه واضحاً، أو جدري ينقش وجه المجتمع، فكلما تطلع في المرآة تذكر الندوب وأسبابها وتاريخها، وتعلق في الحلق مرارة الإصابة بها، وتحول الوجه الجميل، أو المتجمل إلى شكل يتجنب صاحبه في الكثير من الأحيان المرور بالقرب من مرآة حتى لا يفاجأ بالقبح الذي بلغه. لكن الآمال لا تزال تغازل عدداً من المواطنين ذوي البصيرة بأن الآلام كبيرة ومريرة والندوب غائرة، ولكن ليس هناك مستحيل لمحاولة الإصلاح، والحد من هذا الجذام الذي يفتّ في أطراف المجتمع ويجعل الجسد الواحد يتآكل ويتساقط قطعة قطعة. إنه الطريق الأطول والأصعب، ولكنه في المقابل الطريق الأهم من أجل استعادة الجسد الوطني من جديد.
لقد كان الظن بأن الزمن وحده قادر على تجاوز ما جرى، وأنه كفيل بمداواة الجراح والمخاوف والارتدادات التي انبثقت عن الفعل وردّ الفعل فيما بعد فبراير 2011، هناك الكثير من المشاكل التي حدثت بالفعل في تلك الفترة، وهناك أوهام جرى تضخيمها، وهناك أصوات كانت عالية، ولكن صدى الصوت يكون دائماً أكبر وأكثر رهبة من الحقيقة. هناك تزوير عال تمّ في القضية برمتها، وهناك ضحايا ومجرمون، وهناك أمان تم البحث عنه بالدموع والصلوات وارتعاش الشفاه والدموع الغزيرة لعله يحلّ على أهل هذا البلد. هناك من تمنى أن يتوقف الزمن قبل وقوع الحدث والعودة إلى ما كان الوضع عليه، والذي – وإن كان رجراجاً إلا أنه – أفضل من أي وضع انتهى إليه المجتمع بعد ما حدث. بينما فريق آخر يشير إلى أهمية ما حدث على كل الصعد لتسقط الأقنعة (وهذه واحدة من مفردات الأزمة)، ولكي ينتهي الوضع غير الواضح والضبابي والمغلف بطبقات من المجاملات، وتسيير الأمور اليومية مع العلم أن قلب المجتمع لم يكن متناغماً في نبضه، بل يتدافع بالكاد ليسيّر الدماء في العروق، فبعض الحالات (في رأي هذا الفريق) تكون فيها الخسائر عالية مؤقتاً من أجل إعادة البناء والتخليق، أفضل من الموت السريري أو العجز شبه الكامل عن التعافي.
نعلم جميعاً بأن لا شيء يمكن أن يرجع إلى الوراء، وأن التواريخ في الرزنامات لا يمكن أن تستعاد ثانية، وأنه من المستحيل أن يُطلب من أي طرف يشعر بالضرر والغبن والتعدي أن “يضرب عن الذكر صفحاً فيذهلُ” كما يقول الشنفري، لأننا لا نزال نعيش ذيوله، ولا تزال الموجات التي ولّدها سقوط الحجر الكبير في بحيرة هذا البلد تنداح فتضرب شواطئه، إنه بالفعل أشبه بتسونامي مجتمعي لم يبقِ ولم يذر، ولم يترك بيتاً إلا وتأثر بما جرى، ولا مؤسسة عامة كانت أو خاصة إلا وتصدّع فيها ركنها الأساس في التعاطي اليومي، ولغة جديدة، ومصطلحات لم تكن لتجري على ألسنة الناس، بعضهم يرددها عن قناعة كاملة وتمثّل حقيقي، وبعضهم “مع الماية” كما نقول... نعلم ذلك جميعاً، ولكن ما الذي تم فعله إن كانت هناك نوايا خالصة ومخلصة من أجل التحام الوطن وجراحه؟.
ليست مقولة “من يذهب للقاضي يخرج راضياً” بالمقولة الصحيحة، لأن الحُكم قد يكون صحيحاً، ولكنه ليس شرطاً أن يحل المشكلة إلى الأبد، وليس شرطاً أن يخرج الطرفان راضيان لما توصل إليه القاضي، وهذا ما حدث لدينا. ألم تأت لجنة لتقصّي الحقائق وتضع ملفاً كاملاً بالتوصيات الواجب تنفيذها؟ وعلى الرغم من المشادات حول التنفيذ من عدمه، وحول حرفية التطبيق أو الالتفاف عليه، فهذا جدل سياسي لا ينتهي، ولكن هل حلّ “القاضي بسيوني” المسألة، وهل غدا شعب البحرين اليوم، وبعد هذا الكمّ الكبير من التوصيات التي جرى تنفيذها أفضل مما كان عليه بالأمس؟ بل، هل رجع على الأقل إلى ما كان عليه بالأمس؟.
ربما كانت لجنة تقصي الحقائق ذات صبغة معينة، ولنتيجة معينة، وأتت في ظرف معين، وبالتالي كانت التوقعات منها مختلفة على كل الصعد ومن كل الأطراف، ولكن منذ أن هدأ الغبار الأساسي للأزمة، وهناك الكثير من المحاولات الأهلية لتقريب وجهات النظر، ولربما حاد بعضها عن الطريق، وربما أصيب بعضها بالإحباط، وبعضها اختطفته بعض الاتجاهات لتجييره ناحيتها بدلاً من أن يكون مستقلاً، إلا أن أيّاً منها إلى اليوم لم يُكتب لها النجاح، ولم تتقدم أكبر هذه الحركات وأهمها بالشكل الذي يخترق ما هو سائد على الساحة ليقدّم الجديد والمغاير لما سبق طرحه وما لحق، فالآليات هي ذاتها، والحراك يدور في الأجواء ذاتها، والكل يعرف أن هناك إرادة لا يسعدها أن يلتئم الجرح لأن المستفيدين من ذرّ الملح فيه لا يزال لديهم الكثير من الملح لبيعه والتربّح منه، وهذا موضوع آخر يمكننا الإطلالة عليه لاحقاً.
إن الطموح للعودة بالمجتمع إلى ما قبل فبراير 2011، هو أضعف الإيمان، ولكنه – للأسف – صار لدى البعض أسمى الأهداف. فتلك الوضعية لم تكن مغرية أبدا، وليس هو الوضع الأمثل الذي يود أي مواطن أن يعود إليه، فهذا المجتمع يحتاج إلى الكثير من العمل عليه إن أريد لهذا البلد أن يكون صحيحاً، وعدم التكابر أو الإشاحة عن مواطن الضعف والعفونة إن وُجدت، وهذا لا يكون ولا يتأتى إلا بقرار سياسي مدعوم ومؤيّد من المنظمات الأهلية وأهل الاختصاص غير المتحيّزين إلا للوطن، وغير المنتفعين إلا باستقرار جميع مكوناته.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .