العدد 1756
الإثنين 05 أغسطس 2013
البحرين بين رمضانين غسان الشهابي
غسان الشهابي
ذرائع
الإثنين 05 أغسطس 2013

واحدة من مهمات الأراشيف أنها تحفظ لنا الكثير مما يدور في الواقع بعد سنوات قد تطول أو تقصر، وهي بذلك تحفز الذاكرة أو تحرّضها ربما، لاستعادة الكثير من الذكريات والحوادث التي جرت، وتجعل من عايش تلك اللحظات يستعيد الدقائق والأجواء، يمكنه أيضاً أن يسترجع نكهة علقت في لسانه، أو رائحة مميزة مرّت عليه خلال تلك الفترة.
هذا ما ذكرني به رمضان هذا العام عندما التأم المجلس الوطني البحريني لأول مرة في تاريخه القصير نسبياً (منذ 2002)، من أجل أن يصدر 22 توصية نرجو أن تضع حدّاً للإرهاب، وأن تقضي عليه، وأن تتراجع الحوادث والمشاكل التي عصفت بهذا الأرخبيل، ليس فقط منذ فبراير 2011، ولكن منذ ما يقرب من 12 عاماً، لم تكن فيها الشوارع لتهدأ إلا لتسخن من جديد بفعل حركات الاحتجاج والتبرّم المتراوحة بين السلمية، وما هو أبعد من ذلك، وبالتالي أيضاً بين ردّ الفعل الهادئ والناعم، وما هو أبعد من ذلك.
تعيدنا الذاكرة إلى رمضان (ديسمبر 2000)، في ذلك الشهر البارد الذي كان مكتنزاً بالدفء في البحرين، بفعل النقلات الكبرى التي أحدثها الحُكم، بالأبواب والبوابات الكبرى التي على وشك أن تنفتح بعدما تم تزييت وتشحيم مفاصلها التي علاها الصدأ، بخفّة الوزن التي عمّت البحرينيين جميعاً من أقصاهم إلى أقصاهم بهذا الذي لا يعرفونه، بما يسمى الديمقراطية، بعودة الحياة النيابية التي عرفها قسم منهم، ولم يعرفها من عاشوا أو ولدوا في سبعينات القرن الماضي، بنشاط ما كان مسبوقاً، بل ولا ملحوقاً بالنسبة لهم، بهذا التحوّل المرتقب. إذ ذاك، كانت اللجنة العليا لصياغة ميثاق العمل الوطني توالي اجتماعاتها، وكانت تريد الخروج بميثاق عمل وطني يطوي صفحات الماضي آخذة منها بأفضل ما فيها، وتاركة كمّاً لا بأس به من المحطات الحرجة، والتصرفات غير المنضبطة، وأسباب حل المجلس الوطني (صيف 1975)، والذهاب إلى صفحات أخرى لا تزال بيضاء، بكراً، لتكتب المستقبل في الحاضر، وتتطلع إلى غدٍ متقدم عربياً وعالم ثالثياً أيضاً. كيف لا والتدافع نحو مستقبل أفضل كان هو الهاجس والحلم الذي يتملك الدولة بمؤسساتها وأفرادها وأقنيتها المختلفة.
في “قصر الزاهر” بالرفاع حيث كان أكثر من 45 فرداً يشكلون تلاوين المجتمع المختلفة، يتسابقون في تضمين مسوّدة مشروع الميثاق الوطني ما أمكنهم من أحلام الناس ورغباتهم، مازجينها بالتعلم من التاريخ، مضفين عليها تجارب دول أخرى، وكلٌّ كان يتدافع بالأكتاف من أجل تثبيت نقاط في هذا الميثاق الذي سيقود طموحات الناس وغدهم، كلٌّ بحسب خلفيته العلمية والعملية، وكلٌّ بحسب عجينه الفكري والأيديولوجي، وكلٌّ – بلا شك – كان يضع البلاد جميعها أمام ناظريه، بإدراك عال بأن هناك ما هو أهم من التخندق، وأكبر من القبيلة، وأسمى من الطائفة، وأرفع من المنطقة، وأبقى من الأسماء والألقاب.
ذاك رمضان انقضى، بأن تم رفع الميثاق في صورته التي طرحت بعد شهرين للتصويت على الملأ، في ليلة السابع والعشرين من رمضان، فأسمي “وثيقة رمضان”، وخيّم التفاؤل والتبرّك بهذه الليلة الوِترية من ليالي العشر الأخيرة من هذا الشهر المبارك التي يتحرى فيها المسملون ليلة القدر، فما أطيبها من مصادفة أن تلتقي فيها هاتان المناسبتان في آن، لأن يكون الدين للجميع، والوطن للجميع أيضاً.
بعد 13 عاماً من ذاك الموقف البهيج، ومن تلك الأجواء التي كان فيها الناس يبتسمون وهم يعجنون أحلامهم، ويفصّل الفرد منهم ما يناسبه من طموح في غده؛ يأتي اجتماع المجلس الوطني (والذي هو أحد ثمار ذلك العام، وذلك الشهر الكريم) ليلتئم، ولكنه هذه المرة من أجل محاربة “الإرهاب”، والتوصية بتشديد العقوبات على المتسببين فيه، والداعين إليه، والمحرضين عليه. موقفٌ ما كانت البحرين لتقفه بهذا الكمّ من الألم، لو أنّ صوت العقل كان أعلى، والتعنت كان أهون، والبغي والعدوان كان أقل شراسة، وانفلات الأفعال من عقالها كان أقلّ ضراوة.
لا يتعلق الأمر بانعقاد المجلس الوطني، لأنه محصّلة وليس سبباً، ولا يتعلق أيضاً بالتوصيات، فلا أزال أرى أن الجذور والمسببات لما يمكن تسميته بالإرهاب، وتعريفات الإرهاب نفسه، بعيدة عن المسّ والبحث الحقيقي. ولكنه يتعلق بما وصلنا إليه من عدم القدرة على التفاهم والتفهّم. وإشكالية التعاطي مع القضايا من أصغرها وأبسطها إلى أكثرها تعقيداً. ونظرتنا إلى ما وراء أية قضية بدلاً من النظر إلى القضية نفسها. فأصبحنا نرفض القضايا أو نقبلها لا على أساس صحتها وحُجيّتها وصوابها أو خطئها، ولكننا نرى أولاً من يُحرِّك هذا الملف أو ذاك لنصطفّ معه أو ضدّه. فقد جرى تقييد كامل للعقول، وشُلت القدرات على التفكير، وتسابقت الأطراف من أجل تمتين مواقفها، ورصّ صفوفها، وتقوية مصدّاتها، حتى تدهورت الأمور إلى حدّ الحماقة حينما يتم تغييب العقل والمنطق والرؤية الوطنية الكاملة، والاكتفاء بالرغبة العارمة في الفوز والانتصار على الخصم، أيّاً كانت النتائج، ومهما كان الثمن باهظاً، على اعتبار أن المنتصر في النهاية قادر على كنس الحطام، وإعادة ترتيب اللعبة بشروطه وكما يهوى، ولكن ما يفوت المتناطحين أن هناك “سُمعة” تعلق بالبلد كله من الصعب “تبييضها” ومحو الآثار السيئة التي تحيطها كلما ورد اسمها. حقيقة هذا لا يفوت أحد، ولكن المكابرة تعمي البصائر، وتشلّ التفكير الحرّ الخارج من دائرة “لاقونا ونلاقيكم” التي اعتادت عليها ميليشيات الأحياء قديماً.
رمضانان، والشقة بينهما بعيدة، الآمال لم تعد هي الآمال، ولا الطموحات التي بدأت هي ما انتهت إليه اليوم، ولكن الرجاء دائماً في أن تنجلي الغمامة عن العيون بأقل التكاليف والخسائر الممكنة، وهذه رؤية لا ينطوي عليها إلا من أنار الله بصيرته، وهذّبه الصيام الحقّ.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .