صار هذا الزمان كئيباً بئيساَ لكثرة المصائب التي تدور فيه في كل مكان، شرقاً وغرباً، وخصوصاً في منطقتنا القديمة قدم تاريخ البشرية. فلا تسمع في الأخبار إلا انفجاراً في باكستان، واغتيالاً في تونس، وحرباً في سورية، ومصادمات في مصر، وعبثا بالتاريخ والآثار في مالي، وحربا في أفغانستان، وطبول حرب تقرع منذ سنوات حول إيران، ورعبا في العراق، ومجاعة في اليمن، وأخرى مصحوبة بالدم والرصاص في الصومال، حتى بات الفرد منا لا يدري إن كان هو في المكان والزمان الخطأ، أم أنه هو الخطأ بعينه ولكنه يصدّر المشكلات ويعلقها على شمّاعات أخرى حتى لا يتحمل المسؤولية. هل نحن قوم مصابون بهوس التخلص من الآخر اعتقاداً منا أنه بذلك سنعيش حياة مثالية ملؤها الراحة والرغد، ونعود لنتساءل: كيف أمكن للغرب أن يعيش بكل تناقضاته الدينية والثقافية والعرقية ويحقق كل هذه التنمية والثراء، ونحن لا يمكننا أن نعيش وننجز ونبدع مع وجود هذه التناقضات؟ ألأننا نراه “اختلافاً” ويرونه “تنوعاً”؟ نراه تشويهاً للمجتمعات التي يجب أن تعيش صافية من أي اختلاف مع أن رسولنا الكريم قال “اختلاف أمتي رحمة”، بينما يرونه قوة وتلوينا للمشهد الثقافي العام بدل من أن يسود الجنس الواحد، والعرق الواحد، والدين الواحد، والرأي الواحد، والذوق الواحد؟!
كان لديّ اعتقادٌ بأن هذه العمليات الدموية لم تتوقف منذ الأزل، ولكننا اليوم بتنا نتواصل معها وتصلنا عبر هذا الضخّ المتتالي والعالي التدفق للأخبار، وهذا ما يجعلنا نعيش حالة اكتئاب وإحباط رهيبة لكثرة المآسي التي نسمعها ونراها وتتنوع مصادر تحليلها، ونعيش في هذا النوع من التناقض الكبير المفضي إلى القنوط من القدرة على الفرح.. ولكن مع التتبع سنجد أنها كانت موجودة، ولكنها تزداد مع الوقت، وتتعاظم، وتكون أكثر دقة، وأشدّ فتكاً، وأعمق أثراً، وذلك بفعل الإرهاب الذي غزا الدنيا من أقصاها إلى أقصاها، ولم يعد هناك مجتمع سالمٌ منه.
لاشك أن الولايات المتحدة ابتدعت تعريفات جديدة للإرهاب، وعرّفته، وخصّت بالتعريف من هو الإرهابي بعد حوادث الحادي عشر من سبتمبر 2001، وعممت هذا التعريف على العالم، وأوهمت بعض القوى الفاعلة في المجتمعات الغربية، وبدافع الخوف تارة والهيمنة تارة، وتخويف هذه المجتمعات من الآتي؛ بأن هذا هو التعريف الوحيد للإرهاب، والتقطته دول عربية وإسلامية أخرى، وراحت تصفي حساباتها مع الإسلام السياسي مرة، ومع المعارضين مرة، ومع القوى المسلحة مرة، تصفية لا هوادة فيها، وخارجة عن القانون في أحيان كثيرة بذريعة مكافحة الإرهاب، للتخلص منها تحت هذا الغطاء، وللتقرب من العم سام مرات أخر، أو للاثنين معا.
لقد عرّف البعض الإرهاب على أنه “الأعمال التي من طبيعتها أن تثير لدى شخص ما الإحساس بالخوف من خطر ما بأي صورة”، وأنه “يكمن في تخويف الناس بمساعدة أعمال العنف”، وكذلك “الاستعمال العمدي والمنتظم لوسائل من طبيعتها إثارة الرعب بقصد تحقيق أهداف معينة”، وهو أيضاً “عمل بربري شنيع”، و”هو عمل يخالف الأخلاق الاجتماعية ويشكل اغتصابا لكرامة الإنسان”. [1] وهو مصطلح تم فرزه حديثاً في التفكير البشري عن أي فعل آخر من الأفعال التي تودي إلى إلحاق الأضرار بالغير وبالمجتمع،”إذ دخلت فكرة الإرهاب عالم الفكر القانوني لأول مرة في المؤتمر الأول لتوحيد القانون العقابي الذي انعقد في مدينة وارسو في بولندا عام1930، ومنذ ذلك التاريخ لم تتوقف المحاولات الفقهية لوضع تعريف جامع مانع للإرهاب”. [2]
وبما أن مجلسنا الوطني كان قد انعقد لأول مرة ليناقش يوم الأحد الماضي مسألة الإرهاب التي لفحتنا رياحها الساخنة، فقد كان الأمل معقوداً بأن يترفع بعض الأعضاء عن المهاترات وتسجيل المواقف والمساجلات، لأننا كنا أمام فرصة تاريخية لوضع حدٍّ لكل عمل من شأنه أن يثير الرعب (الترهيب) في قلوب الناس، ويزعزع أمنهم أيّاً كان مصدره. فجاء جُلّ التوصيات ليحارب رأس جبل الجليد، بينما بقيت الجذور من غير ما حفر أو مساس. لأن الإرهاب له مصادر داخلية وخارجية. ولا يمكن التصديق بسهولة بأن الإرهاب فقط ممول من الخارج، لأنه إن لم يلق التربة الصالحة لزرعه واستنباته عبر اختلال جملة من الموازين والأسس التي تجعله ينمو ويتشعب ويصعب التعامل معه؛ فإن من الصعب على أي عامل أو مكوّن خارجي – مهما كانت قوته وتأثيره - أن يجد له سبيلاً للوصول إلى بعض الناس ليطبقوا خططه ويكونوا رأس حربته في زعزعة أمن المجتمع.
فحتى لو أعيد “النظر في السياسة التعليمية والتربوية، وإعادة مراجعة المناهج التعليمية وتنقيحها بما يكفل وقاية المجتمع من العنف والأعمال الإرهابية وتقويم سلوك أبناء الوطن”، كما جاء في إحدى التوصيات؛ فإن التعليم ليس إلا عاملاً واحداً من العوامل المهمة في تهيئة “المواطن الصالح” وترشيد سلوكه. فلا بد من أن تتظافر معه جملة من العلاجات الأساسية الخاصة بالجوانب الخدمية والعمل والأجور والفرص المتكافئة والتنافسية الحقة والشفافية والكشف والمصارحة، والاعتراف بوجود المشاكل، والمشاركة في حلها، ورؤية الحلول تزدهر واحداً بعد الآخر عبر إستراتيجية واضحة، تُشعر كل المواطنين بالتقدم الحاصل في المعاش اليومي، وأنهم تحت سقف القانون المتساوي الأضلاع، حينها سيقف الجميع، جسداً واحداً ضد من تسوّل له نفسه تعكير هذا الصفاء، وهذه التنمية، وهذه النعمة التي لا يودّ أحدٌ أن يفرّط فيها أو يجعلها عرضة لأي مغامرات، مهما اعتقد البعض أن الضفة الأخرى للنهر أكثر اخضراراً، فإن السعي إلى أي ضفة أخرى يجب أن يكون محسوباً بعدم خسارة الجميع لما في الضفة التي هم اليوم عليها.
إن وضع الدراسات العلمية العميقة والصادقة في شأن الإرهاب، منطلقاته ومسبباته، لتفكيك الأسباب ومعالجتها حتى لا تنمو كالنبت الشيطاني، أو الخلايا السرطانية في أي مجتمع كان؛ هي الخطوة الأولى والحقيقية ليعيش جسد الوطن، وبكل أطرافه، عيشة صحية وسليمة وخالية من العِلل، وآمنة من غزوات الجراثيم والأوبئة التي تفتّ في عضده.
هوامش:
[1] http://www.saaid.net/Warathah/hmood/h42.htm
[2] http://www.blog.saeeed.com