تبقى المجتمعات المبتلاة بعدم القدرة على دمج الاختلافات وصهرها في مشروع وطني تتقازم فيها الهويات الفرعية لصالح الهوية الوطنية العليا، تبقى في حالة من الشدّ العالي التوتر بين من تكون له الكلمة العليا، إذ يكون في شكّ مريب من كل ما حوله من المختلفين، فتنتصب أمامه كل حوادث التاريخ وقصصه، لذا يعمل على ترسيخ أركان نظامه (أيّاً كان هذا النظام سواء في دولة أو مؤسسة) بأهل الثقة على حساب أهل الاختصاص. وأهل الثقة أنفسهم يتدرجون أيضاً بأهل الثقة من الأسرة، ومن القبيلة، ومن العرق، ومن المنطقة، وفي المحصلة، فهم لاشك سيكونون من أهل الطائفة. فيقوم هذا الخليط الذي يتجانس في الإطار العام بالطائفة أو المذهب، بالحفاظ على مكتسباته حتى لو كانت منتزعة انتزاعاً من الطرف المختلف، سواء كانت هذه المكتسبات حقاً أم باطلاً، ولا يتم هذا الحفاظ إلا عن طريق إقصاء من يمكن أن يشكلوا خطراً على صاحب السلطة أو تهديداً أو في أقل الأشكال سخونة.
الفئات الأضعف سلطوياً، تعمل في المقابل، الشيء نفسه إنْ هي تولت سلطة، مهما صغرت كنوع من المقاومة والحفاظ على بذورها لئلا تندمج في مشروع المسيطر، أو أن يسحقها المسيطر.. فلا تريد الفئة الأضعف سلطوياً أن تكون كالأيتام على موائد اللئام، تأخذ ما يُسمح لها بأخذه من الفتات فقط. تريد هذه الفئات أن تكون رقماً صعباً ومن الصعب التخلص منه، فتعمل بشكل متواتر على تمتين أطناب خيمتها، بالتوظيف والتمكين الخارج عن حسابات الكفاءة أو الاختصاص، وتقريب أهل الثقة في المقام الأول، بفعل الأمر نفسه، حتى يمكن – وبكل سهولة – ملاحظة المحاصصات المذهبية والعرقية والإثنية والقبلية في المواقع المختلفة سواء كانت في مجالات عمل أو حتى في «تتر» الأعمال الدرامية... كلٌّ يتحصّن ويتمترس في موقعه ويبدأ بطرد الآخرين، كلٌّ أيضاً يرى أنه محروم، وإنْ بدرجات متفاوتة، وأن هناك من «يغتصب» حقه. أنْ تشعر أن حقك منتهك ومستباح وذاهب إلى من لا يستحق، أو أن هناك دوائر مغلقة دونك، فهذا سبب وجيه للشعور بالغضب، وإذا ما عجزت عن إصلاحه سيتحول إلى كراهية، خصوصاً إنْ تبين أن الطائفة الأخرى هي من منع وصولك إلى منطقة تشعر أن من حقك الوصول إليها لولا انتمائك... حينها سيكون من المبرر للكثير من الناس أن يتحصّنوا بطوائفهم، ويسنّوا أسنانهم تجاه الطائفة الأخرى التي تعمل على إقصائهم وإفقارهم وحرمانهم.
هذا الشعور الجمعي ليس طارئاً في منطقة دون أخرى، ولا في ثقافة دون ثقافة، ولكن البشرية جمعاء عانت منه... الثنائيات أساساً التي تتنافس، وهمّها الأساسي أن تفوز بالسيطرة. ولكنها «تعلم ولا تتعلم» أنه ليس من وضع قائم إلى الأبد، وأنه ليس من ثقافة أو عرق أو إثنية أو مذهب أو حتى دين، ظل هو العامل الرئيس المسيطر على مفاصل صنع القرار في أي دولة أو مجتمع، ولذلك فهي تودّ أن تبسط هذه السيطرة بأن تبالغ في إقصاء الطرف الآخر، وحشره في الزاوية حينما تتصاعد لديها المخاوف من تململ ذاك الطرف. حتى إذا ما انفجر فإنها تقف أمام مفترق طرق في لحظة تاريخية حاسمة.
إن أقصر الطرق التي يتوّهمها البعض في إنهاء هذه المشكلة، هي الطريق السريع (قابيل – هابيل)، أن اقتله وتنتهي المشكلة. ولكن التاريخ لا يزال يثبت، أن وهم انتهاء المشكلة بالإبادة الجماعية لم ينجح في أي مكان في العالم، وفي القرن الماضي فشل فشلاً ذريعاً في البوسنة كما فشل في راوندا... ولكنه مع ذلك لا يزال يمارس وبقسوة تقودها الكراهية المنبنية على الخوف.
ولكن لماذا يخاف صاحب السلطة المدجج بالكثير من الأسلحة، والمستند إلى مترايس اجتماعية وسياسية وربما عسكرية في بعض الظروف. إنه الخوف من أن يتراجع القوي خطوة إلى الوراء فيلتقط الطرف الآخر أنفاسه ويعيد له الصاع صاعين في انتقام لا يبقي ولا يذر.. خصوصاً وأن دولاً انقلبت فيها الحال بين متكارهين، فأعمل الانتقام في الطرف الآخر قتلا وتنكيلا... هذا الخوف يقود الفاعل لزيادة التنكيل حتى يقضي على الطرف الآخر قضاء مبرما... إنها كراهية قائمة على الخوف على جوهر الوجود... لذا نسمع ونرى بعض الدعوات الرامية إلى عدم التسامح لأن في التسامح فرصة للتساوي، والتساوي أول نقاط ضعف القوي إذ لن تكون للقوي الكلمة الفصل في أي موقف... ومن ذا الذي يتبرع بالتنازل عن مصادر قوته من تلقائه؟!.
لقد تعلمت أمم أخرى أن الكراهية عملية مدمرة ومكلفة، وتبعاتها لن تنال القيادات المحمية، ولكنها تفتّ في نسيج الشعب نفسه الذي يلتقي في الأسواق وفي طابور الخباز وحين يبيع الناس ويشترون. فصار من يوميات أفراد الأمم المتقدمة ألا يسألوا عن الانتماءات الماوراء وطنية، لأن مجرد السؤال عنها يعني احتمالية رغبة السائل في التمييز لصالح أو ضد صالح المسؤول، وأبقوا على «ماذا تعمل؟» وليس «ابن من أنت؟»، حتى تتم السيطرة على شعور الكراهية المتأتي من الاختلافات.
الكراهية شعور إنساني، يحتاج إلى غفلة لكي ينطلق من عقاله، إلى فرجة صغيرة ليتسلل منها، إنها كالسد الذي إن تم إهمال شرخ صغير فيه، فإن ضغط الماء بداخله كفيل بأن يحيل هذا الشرخ إلى صدع، فينهار السد ويُحدث الكارثة... فيتم العمل على لجم الكراهيات بوسيلتين القصيرة الأمد وهي القانون المنضبط الذي يجرّم الكراهيات، والذي يجب ألا يُترك للتأويلات حتى لا يسود الهرج والمرج في المجتمعات... أما الوسيلة الطويلة الأجل فهي بغرس قيم الاندماج واحترام الاختلافات، سواء في البيت أو في المدرسة أو في الإعلام أو في الأندية أو في العمل، وضرب الأمثال للناس من قبل الرياديين.. إن المهمة الصعبة في أي مجتمع هي تحويل «الاختلاف» إلى «تنوّع» ليكون أكثر غنى. ولكن هناك مجتمعات لا يطربها إلا لون واحد من العزف لا تنوع فيه ولا تناغم.
نحن لسنا في حاجة إلى أن نحب بعضنا، فكما نقول في «حكينا» الشعبي «الهوى بالكيف مو بالسيف»، ونقول «المحبة من الله».. ولكننا بحاجة لنحترم بعضنا، ونكبح لجام كراهيتنا، فمن يصرف طاقته في الكره يكون قد أهدر الكثير من عمره على ما لا طائل منه.