العدد 1731
الخميس 11 يوليو 2013
رمضان في بناء الأوطان غسان الشهابي
غسان الشهابي
ذرائع
الخميس 11 يوليو 2013

نستقبل شهراً كريماً هذه الأيام بالكثير من الأماني المتعلقة بقبول العبادات، والحديث الكثيف عن المعاني السامية للصيام، وأن الأقدمين من المسلمين الذين نقتدي بهم، ونعتبرهم أسوة وقدوة لنا كانوا لا يلجون في شهر الصوم إلا وقد أخلوا قلوبهم من كل الأدران ومن أية نقطة حقد على إخوانهم، حتى يأتون الله بقلب سليم، ونوايا صافية، وحتى يُقبل منهم العمل على أتم وجه، فهذا شهر عظيم، والطاعات فيه مضاعفة الأجر، والثواب فيه لا يعدله شيء.
لو استطعنا أن نتأمل بطاقات التهاني بقدوم وحلول شهر الصيام التي أغرقت هواتفنا وبريدنا الإلكتروني، لوجدناها لا تخرج كثيراً عن المعاني الراقية التي من أجلها شرّع الله الصيام، ولكن كم منا يقف لحظة ليتأمل هذه العبارات التي من المهم أن تبقي على الحد الأساسي من معانيها التي انطلقت منها، وهو السمو الروحي، والصفاء النفسي والأثر المنتظر لواحدة من أكثر العبادات تهذيباً للنفس وترويضاً لما فيها من أطماع دنيوية، وصوناً للسان من أن يلهب بسياطه الآخرين، وكبحاً للشهوات من أن تنطلق من غير ما ضابط، والشهوات متعددة، حسية في شكلها الأولي، ولكنها في أشكال أخرى تغدو نفسية أيضاً تعمل في النفس ما تعمله الشهوات الملموسة، بل ربما تفوقها في التأثير والشعور بالانتشاء.
إننا في البحرين اليوم، وربما أفضل من أي يوم مضى، سنحتاج هذا التدبّر العميق للمعاني السامية التي يأتي بها شهر رمضان، لأننا أسرفنا أيّما إسراف في خلط السياسي بالاجتماعي بالأخلاقي بالديني بالدنيوي، وخرجنا بتوليفة ما عرفناها في آبائنا السابقين. توليفة انطلقت، أو وجدت لها مسارب وقنوات مفتوحة منذ أكثر من سنتين عندما حدث ما حدث، ولن نعيده أو نكرره. ليس من أجل التناسي، فالإنسان لا يعيش من دون تاريخ، ولكن لنستفيد ونتعظ مما حدث، لأننا في شقاق عظيم بين مكونات هذا الشعب، يخبو أوار هذا الخلاف ويستعر بين الفينة والأخرى، ونعود إلى سرد القصص، ولوك الحكايات، واجترار الأحداث، والوصول إلى القناعات ذاتها في الفرق الثلاث: الفريقان وما بينهما.
فلم تخلُ البحرين يوماً، حتى في عمق المشكلة وضراوتها، وفي مرتكز التجاذب الكبير الذي وقع بين أفراد المجتمع، والاستقطاب الذي – وللأسف – استحال من شكله السياسي إلى شكل طائفي مذهبي حتى وإن حاول الحالمون أن يشيروا إلى خلاف ذلك، ولكنه واقع لا يمكن الإشاحة عنه، أو إنكاره، بل لا بد من وضعه نصب الأعين إن أردنا ألا يباغتنا في المستقبل؛ لم تخلُ البحرين من محاولات عديدة للم الشمل، والصراخ في وقت كانت فيه الطبول تقرع عالياً، بأن “صلوا على النبي” واهدأوا حتى تثوبوا إلى رشدكم، وحتى تنقشع الغشاوة التي تغطي بصر وبصيرة الغاضب والخائف على السواء، والتي لا تنجلي إلا بأن يطمئن.
اليوم – وأرجو ألا أكون مخطئاً – بتنا على مبعدة من تلك الظروف، وإن حاول بعض تجار الحروب والمصائب أن يأججوها لكي تستمر تجارتهم ولا تبور، وإن حاول البعض أيضاً نسخ ما حدث في مصر كما حدث في الماضي، فإننا اليوم قد علمنا جميعاً ما الذي جرّته علينا الأوضاع السابقة من آلام ومآسٍ، وليس هناك داع للمكابرة والمزايدة والتوعّد والتظاهر بأن “المعركة مستمرة”، لأن لكل قفل عشرات المفاتيح، ولكل مشكلة مئات الحلول، ولكل قصة نهايات متعددة. وهذه المبعدة، أو البعد الزماني كفيل بأن يجعلنا جميعاً نرى الأمور بشكل أكثر وضوحا، وبهدوء، حتى نقيّم الآثار ونسعى إلى فتح جناحي الباب الواحد المؤدي بنا إلى المستقبل، ولا يمكننا أن نفعل ذلك بفصيل واحد من المجتمع، فالباب ثقيل جداً، ولا يمكن تشريعه على مصراعيه من قبل طرف واحد إن أردنا أن نرى طريق المستقبل، فلا بدّ لنا من بعضنا، ولا بد لنا من أن نستمع إلى صوت العقل والمنطق لأن أصوات الطبول قد تراجعت إلى الدرجة التي يحل فيها الكلام محل الصراخ.
 لقد شهدنا على مدى العامين المنصرمين الكثير من المبادرات التي انطلقت بهدف تخفيف الاحتقان، وتهدئة النفوس، وتقريب وجهات النظر، ولكنها في ذلك الوقت العصيب لم تكن لتلقى الآذان الصاغية، ولا القلوب الواعية، إلا فيما ندر. وإن كان هذا الأمر مخجل أحياناً خصوصاً إنْ أتى من أناس كنا نغبطهم بالرزانة والتعقل، ولكن يبقى باب العذر مفتوحاً، فلقد لعبت الكثير من العوامل في جعل أصحاب المواقف المتزنة والرؤى الرصينة ينساقون إلى ما انساق إليه الجمهور والغوغاء، حتى ركب معظمهم أمواج الجحافل البشرية وزايدوا عليها ليكون في مقدمة الصفوف، ويضمنوا مقاعدهم من الزعامة، ولكننا نرى اليوم إلى أين انتهى هذا كله، وما المكاسب التي خرجوا منها، فهي في المحصلة النهائية أقل من الأثمان البخسة التي دفعت نظير الخسائر الفادحة التي تعرض لها الوطن والمواطنون على كل صعيد، ولو اكتفينا من الخسائر بهذا التباعد ونظرات الشك والريبة بين الناس أنفسهم، لكان تكفي.
نتمنى أن يجلب شهر الصوم والغفران معه من التفكر ما يمكن أن يفسح المجال لقوافل البنّائين الجدد لكي يسهموا في ترميم ما تصدّع، وتقويم ما اعوجّ، وإعادة شدّ حبال أطراف المجتمع بعضها ببعض، وأن يزداد عدد هذه القوافل، ويقوى عودها بالمزيد من الانضمام لها ليس من أجل نسيان ما مضى، بل لكي نعلو عليه ونصعد لنتطلع إلى ما هو آت، من دون اشتراطات وتعقيدات. نتمنى أن يجلب هذا الشهر الكريم للناس القدرة على أن ينزعوا من قلوبهم ما علق فيها من أدران، وما مسّها من أحقاد، حتى تصفو عندما تناجي الله في السَّحَر طالبة المغفرة، فكلنا بحاجة إلى هذه المغفرة، وأحوجنا إليها من أضرّ بغيره، وأساء إليه من حيث أراد أن يُحسن. لم يفت الوقت بعد، فمازلنا في مطلع هذا الشهر الفضيل.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية