العدد 1728
الإثنين 08 يوليو 2013
أحداث مصر وثنائية العدل والشنئان غسان الشهابي
غسان الشهابي
ذرائع
الإثنين 08 يوليو 2013

عادت مصر لتتسيد الأحداث منذ ما قبل 30 يونيو بفعل ما ألهبته حركة “تمرّد” في نفوس قطاع عريض من جماهير الشعب المصري للخروج في وجه الرئيس المنتخب ويشيروا إليه بأصابعهم أن يرحل في صيف لاهب هو أيضاً، وجدل عارم من قبل جميع الأطراف. كعادتها، ألقت مصر حجراً ضخماً في مياهها التي لم تركد أبداً، فانداح الماء بدوائره على مستوى الوطن العربي من أقصاه إلى أقصاه. إذ كنت في المغرب يوم أن أطيح بالرئيس وجمع عربيّ هناك يناقش هذه القضية، وهي القضية أيضاً التي شغلت وتشغل الرأي العام البحريني إلى جانب قضاياه التي ما ان تسير قليلاً حتى تكتشف أنها تنكّبت الطريق، فتعود إلى المربعات الأولى في كل مسار، وترانا لا نتقدم... لا بأس أن نستريح قليلاً لندرس ونتدارس ما يحدث في مصر، فلعلنا نرى بصيص أمل وطريق النور.
ليس يعنيني هنا الحديث عن شرعية ما حدث أو دستوريته، وهل الغلبة للحشود والجماهير في الشوارع، والشعب هو مصدر السلطات، أم الغلبة للدستور الذي صوت عليه حوالي 66 % من الشعب المصري والدستور هو أبو القوانين. وهل عندما يقال إن رئيساً ما أو حكومة ما فاقدة للشرعية، يصبح هذا الحكم ناجزاً وقابلاً للتنفيذ؟ فكل هذا هو من شأن الشعب المصري، وهو أمر – عموماً – تم تجاوزه لأن ما حدث قد حدث، وان الرئيس الآن بات “مخلوعاً” ولا أحد يعرف مكانه إلا الله والراسخون في الجيش، ولكن الحديث الآن هو عن ما بعد الحدث.
إن جملة من الإجراءات التي تمت منذ أن تغيرت الرئاسة المصرية قد تبدو شافية لصدور جماعة من الشعب المصري، خصوصاً ما تعلق بإغلاق محطات تلفزيونية دينية حتى لا تحرّض على الإرهاب والقتل، وملاحقة قيادات الإخوان، والجدل الدائر في ميدان رابعة العدوية حول من بدأ بالعنف ومن الواقع عليه من الظلم، والجميع يتاجر في صور القتلى من أبناء الشعب الواحد على اعتبار أن من هم في صفه من الشهداء ومن هم من الصفّ الآخر هم المعتدون، وجميع هذه الحجج تظل غير مقبولة بأيٍّ من المقاييس ما دامت الدماء أريقت، والأرواح صعدت إلى بارئها بفعل التشدد والرعونة والكثير من العوامل الأخرى الداخلة الحماسة فيها والدفع والاندفاع والتحريض على التصادم وحمل السلاح وغيرها من المسرّعات للقتل والمبيحات له.
فلقد عاش تنظيم الإخوان المسلمين في مصر زهاء 85 عاماً (منذ التأسيس في 1928) وهم يشعرون – في أغلب هذه السنوات – بالغبن والظلم والملاحقة، وأن قياداتهم وكوادرهم عاشوا في السجون والمنافي أكثر مما عاشوا حياة طبيعية، حتى أن السجن والملاحقة والتعذيب والتفتيش بات دمغة الانتماء وضريبة الالتزام الإخواني، وبقي حزب الإخوان المسلمين في مصر “محظوراً” طيلة السنوات الماضية. وهذا أمر لا يمكن أن يأتي من فراغ، فلطالما اصطدم فكر الإخوان – في مصر وفي الكثير من الدول العربية – بالسلطات الحاكمة، وهذا الصدام يؤخذ من جانب السلطات على أنه الحفاظ على المجتمعات من التشدد الديني، ويأخذه الإخوانيون على أنه مقاومة للتغريب والتحلل والتفسخ والرجوع إلى الدين الحق بالشكل الذي يريدونه ويؤمنون به.
وإن كان هذا الصدام المستمر يأخذ أنماطاً مختلفة الشدة بين الفينة والفينة، وبين نظام ونظام، إما على شكل ملاحقة أمنية، أو إقصاء، أو تكتل مضاد؛ فإن هذا الأمر يبدو مفهوما (وليس شرطاً أن يكون مقبولاً) في بعض النظم الشمولية الديكتاتورية التي لم تكن لتسمح لا للإخوان ولا لغيرهم من التنظيمات أن تتنفس أو أن تنمو نمواً طبيعياً، بل في الكثير من الأحيان تتوجه إلى وأدها في أرحامها، وتفكيكها على اعتبار أنها جماعات تخريبية. ولكن الأمر اليوم مختلف في ظل دول تخلصت من نظام الفرد الواحد في الحزب الواحد، إلى نظام يتلمس طريقه نحو الديمقراطية الحقيقية، التي تأخذ من أشكال الديمقراطيات المعروفة في الغرب و”توطّنها” لتصنع تجربتها الخاصة، وبالتالي فإن المخاوف لا تني تتواتر جراء ما يعقب “حركة 30 يونيو”، حتى لا تبدو العملية “انتقاماً” رسمياً وشعبياً من هذه الجماعة، بصرف النظر عن الاتفاق أو الاختلاف معها.
فديمقراطياً لا يمكن البدء بمرحلة جديدة من الحكم بإغلاق محطات تلفزة، حيث إن حرية الرأي أمر مقدس في الديمقراطيات، بحجة منع نشرها لمواد قد تكون محرّضة على القتل والإرهاب، ولكن متابعتها، وضربها بيد القانون إن ما خرجت عن مسارها. كما لا يمكن إغلاق مكاتب “الجزيرة” المعروفة التوجهات والدعم منذ ما قبل “ثورة 25 يناير”، والمعروفة الأهداف والتمويل والميل والمشروع الذي وراءها، لأن في ذلك الكثير من التعنت وترسّم رد الفعل الفوري بدلاً من التريث والمرور بكافة المراحل الموجبة لإغلاق محطة تلفزيونية أو صحيفة، أو اعتقال أو توقيف أو غيرها من التصرفات المذكرة بروح الأنظمة البوليسية العتيقة التي لم تكن معروفة إلا بالتصرفات الهوجاء التي تقدّم القوة على أي حل آخر.
إن بناء مجتمع ديمقراطي أمرٌ ليس باليسير، وترسيخ التقاليد الديمقراطية من أصعب الأمور، إذ سنعود لتكرار ما توافقت عليه الأفكار في السنوات الأخيرة وهو أن الديمقراطية ليست صناديق انتخاب، لأن هذه الصناديق ليست أكثر من تعبير واحد من تعبيرات الديمقراطية الكثيرة والكثيفة والهائلة، ومن بين أهمها حرية التعبير والتشكيلات السياسية. وما لا يود أحدنا مشاهدته هو أن تبدأ حقبة جديدة بـ “مسح” كل ما هو إخواني في مصر بحجة أن الرئيس والقيادات أساءت استخدام السلطة، فالأخطاء واردة، ولكن روح الديمقراطية التي لم تتأسس بعد أو تترسخ هي التي كان من المهم أن تحضر في هذه الساعات الفاصلة لتقدم مثلاً حياً للتعامل الديمقراطي اليوم مع هذا التيار، وربما غداً مع تيار آخر إذا ما صارت له الغلبة، فكما تدين تدان، والتجربة المصرية، تعلم المصريين قبل غيرهم، أن مرحلة الرئيس الفرد والمتفرد، والحزب الخالد، باتت من الصعوبة بمكان ليستوعبها الشعب المصري الذي عرف طريقه اليوم للتغيير.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .