العدد 1724
الخميس 04 يوليو 2013
الحنين إلى اليد العليا غسان الشهابي
غسان الشهابي
ذرائع
الخميس 04 يوليو 2013

لفترة من الزمن، تولى أحد الأشخاص مسؤولية مؤسسة رسمية، وكان بطّاشاً قوي الشخصية والشكيمة، لا يتورع عن فصل من لا يعجبه، أو التطويح به في مهمات ووظائف لا تتناسب معه، ولا يتردد أيضاً في المكافأة. حاد الطباع مزاجي، لا يعلم من يدخل عليه ما الذي سيخرج به، لا يمكن توقع تصرفاته أو قراراته، مهاب الجانب، عندما يطلب أحداً أن يأتيه إلى مكتبه ترتعد أوصال المطلوب، ويبدأ عقله يسترجع ما الذي “أجرم” فيه، وما الذي يمكن أن يتلقاه من عقاب أو توبيخ... ومع ذلك، ومع أنه غادر المنصب منذ سنين بعيدة، إلا أن من عاشروه لا يزالون يذكرون زمانه بالخير، ويتحسرون أحياناً على تلك الأيام. وعندما أتت رياح الإصلاح، وصار بالإمكان الشكوى، وتعلم الكثير من المسؤولين أن الزمان تغير، وأن بالإمكان أن تفتح عليهم أبواب الجحيم إنْ هم تمادوا، بل حتى قبل أن يتمادوا، وصارت العلاقات أكثر إنسانية (إلى حد ما)، وأخذت العلاقات العملية بين الموظف والمسؤول أكثر احترافية (إلى حد ما أيضاً)، عاد الحنين إلى أيام ذاك المسؤول الذي لا ينبس أحدٌ أمامه ببنت شفة، وكلامه هو فقط من يسود، ولا رأي غير رأيه، ولا أحد يجرؤ أن يقول “...ولكن” تعقيباً على كلامه، أليس هذا أمر غريب؟!
سيبدو أن هذا الكلام غير غريب أو منفرد في مؤسسة واحدة، ولا بلد واحد أيضاً، لأننا نشهد اليوم كثيراً من مثل هذا الحنين يتردد في جنبات العالم العربي شرقاً وغرباً، حنيناً إلى الأيام التي كان الناس فيها مطأطأي الرؤوس، لا يرون إلا ظلهم على الأرض، ويخافون منه أيضاً لأنه أحيانا يبدو أطول منهم، يمشون إلى جانب الحيطان لأنها أسلم من المشي في عرض الطريق، يخشون أن يبوحوا بأفكارهم لأنفسهم لأن النفس أمّارة بالسوء، ولعلها تفصح عما يجول في الخاطر ذات زلة لسان، فتكون العواقب وخيمة، والقصص في هذا الوطن العربي أكثر من أن تُجمع، وأحياناً أصعب من أن تصدّق لفرط غرابتها، ولشدة ما عاناه أهل الرأي جرّاء إفصاحهم عن رأيهم.
اليوم، تعود النبرة عالية في الكثير من الأحيان لتقول الرأي نفسه، وإن بعبارات مختلفة في التراكيب، مع تغيير الأسماء: ألم يكن أفضل لو بقي علي عبد الله صالح في الحكم بدلاً من هذه الفوضى؟ أليس عهد صدام حسين – على كل ما فيه – أفضل من هذا الاحتراب الطائفي في العراق والتفجيرات؟ ألم يكن ضابطاً للبلاد ولا أحد يجرؤ أن يرفع سبابته في وجه الآخر؟ أليس وجود معمر القذافي على سوئه أفضل من الانقسام الليبي بين جزء شرقي وآخر غربي، وإطلالة القبائل برؤوسها لتحول ليبيا من دولة إلى مناطقيات وقبائليات؟ نعم، لقد قيل ما قيل عن فساد حسني مبارك وأبنائه وزمرة كبيرة تحيط به مع إطلاق يد الأمن لتبطش بمن تريد من دون ما رادع، ولكن هل تعطلت الأعمال، وخرج الناس يتصارعون فيما بينهم كما هو حاصل اليوم؟، وهذه الميادين التي تمتلئ في كل حين، وهذه الجموع التي باتت لا تعمل وتعجل بخراب الاقتصاد المصري القائم على السياحة؟ ماذا تعني سجون الأسدين (حافظ وبشار)، كم ألف من البشر قبع فيها؟ وأين هي من حالة الحرب الأهلية والتدخلات السافرة وسقوط أكثر من 100 ألف قتيل لم يسقطوا في حرب أبداً مع العدو المشترك، وإنما بأسهم قوي بينهم؟ ألم يقل زين العابدين بن علي “فهمتكم”.. لِمَ لمْ يُترك له بعض الوقت ليترجم هذا الفهم إلى أفعال، وبعدها تجري محاسبته بدلاً من حالة عدم الاستقرار التونسية اليوم، والتي إن بدت أقل ضراوة من مثيلاتها العربيات التي طالها تغيير الربيع العربي، ولكن الحال السابقة – في نظر أهل الحنين – أفضل من الوضع الحالي!
إن هذا الحنين يحتاج إلى تفسير عميق من الناحية النفسية والاجتماعية، تحليل يسبر أغوار النفس العربية التي تظل دائماً تنشد “الحاكم الفرد” ولا يمكنها التعامل مع روح المؤسسة أو الالتزام بالنظام ما دام لا يوجد شرطي في الطريق مفتول الشوارب بنظرات حادة كما الصقر يشيع “الهيبة” التي تنشدها المؤسسات الرسمية، وهي ترجمة أخرى للإخضاع، فمن تهابه لا يمكنك أن تسائله أو تجرّمه أو تأخذ على يده، خصوصاً مع استلال الكثير من الناس اليوم للفتاوى التي توصي بالصبر على الأوضاع المعوجّة لأن في تغييرها المزيد من الاعوجاج والفوضى والآلام.
ثقافة ترى أن الطاعة تتم لفرد، ربما يعبر عنها المثل المصري “اللي ما لوهش كبير... يشتري له كبير”، وهو تعبير دقيق لأهمية أن يكون للناس “رمز” يتعلقون به، قائد يلهمهم، ربٌّ مصغّر يتعلقون بتلابيبه، تشرئبّ أعناقهم إليه، يرون أنفسهم من خلاله، أحدٌ يلهمهم، أو يتولى عنهم المسؤولية، لأنهم قاصرون عن توليها بأنفسهم، لا يمكنهم ذلك، كأطفال قصّر، قد يتيهون في الطريق إن ساروا بمفردهم، يشعرون بالطمأنينة إن أمسكت بأيديهم يدٌ أكبر منهم لتعبر بهم إلى الرصيف الآخر، وحتى إذا لم تعبر بهم، فهذه اليد العليا بالتأكيد تعرف مصلحتهم أكثر منهم، وستختار الوقت الأنسب للعبور، حتى وإن تأخر ذلك لأجيال وأجيال، لا يهم، فهذا كله أفضل من الضياع في الجزء الآخر من الطريق.
يرى أناس أن الشعوب العربية غير مهيَّأة بعد للانتقال إلى الديمقراطية، بينما يرى آخرون أن الشعوب العربية لن تكون أبداً قادرة على هذا التحول لأن جذورها الثقافية والمعرفية والنفسية لا يمكنها أن تسمح لهم إلا بالاستمرار في العيش في ظل الحاكم الفرد، أو الحزب الفرد مع ما في هذه التجربة من تأخر عن سيرورة العالم والتاريخ، وبالتالي سيظل العربي يحنّ إلى المستبد العادل بصفته الأب الذي يفرض الهيمنة، ويُنفذ القانون، وفي كل الأحوال، لا يمكن للمرء إلا أن يحب أبيه مهما أتى من أمر.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .